وأخيرا، يرفع «البطل» الراية البيضاء أمام عيوب الحياة التي لا تعترف بمهنة تسمى «الكتابة». يرحل القاص والسيناريست والمسرحي والسينيفيل محمد جبران بعد صراع مع المرض، لم يشفع له وضعه الاعتباري بالتغلب على قساوته رغم تدخل العديد من المثقفين والكتاب من أجل أن يحظى بعناية صحية تقيه شر السؤال، في غياب مؤسسة ثقافية قادرة على حماية كرامة المنتمين إليها.
ظل الراحل طيلة حياته وفيا لمبادئ الكتابة الواعية برهاناتها على مصاحبة الأسئلة المجتمعية، ودورها كأداة في إحداث التحولات على مستوى الوعي والواقع. كتب من الهامش وعن الهامش، ملتقطا الأشياء والتفاصيل الصغيرة المهرولة في صخب اليومي، محيلا إياها إلى نصوص تضج بالحركة والحياة رغم سوداوية أغلبها، نصوص لا تستند إلى مُكنة في الصنعة الأدبية بقدر ما تتجاوز إلى رؤية فكرية ومرجعية تعي ما تكتبه، والواقع الذي تكتب عنه في قساوته وقبحه وضياع العابرين لمسالكه. مرجعية ثرة نهلت من كل صنوف المعرفة، أدبا وفلسفة ومسرحا وحياة: «العلاقة التي لدي بمرجعياتي علاقة التباس ومحو، وشموس تطلع من ملايين الروايات والقصص والأشعار المنسية ، وأرواح تشد أزر فضاءات بكر، مأهولة بالدهشة والخراب، فصيلة دمي وحدي، دليلي». كتب الراحل في القصة والمسرح والنقد والسياسة في كل من جريدتي «الاتحاد الاشتراكي» و»العلم»، بالإضافة إلى إصداره عددا من المؤلفات. «عيوب البطل « مجموعته القصصية التي كتبها بنفس نقدي ساخر، وصدرت عن وزارة الثقافة، كان قد جمع نصوصها التي نشرت متفرقة في الجرائد، الراحل مصطفى المسناوي أما كتابه «دم السلالة» فأشرف على إعداده الشاعر حسن نجمي. له أيضا كتابان عن سيرته الفنية يحكي فيهما عن علاقته بالناقد والسينمائي نور الدين الصايل «هندسة الأحلام»، والذي يعود فيه إلى تأسيس الأندية السينمائية التي شكلت نقط ضوء في تلك الفترة بما شكلته من ثورة ثقافية على مستوى حضور الصورة في المشهد الثقافي المغربي، والأحلام التي عقدها الشباب آنذاك على هذه التجربة، ثم عن علاقته بالكاتب والمسرحي يوسف فاضل «السيرة المهربة» وفيه يستعيد الراحل جبران لقاءاته وذكرياته مع الكاتب يوسف فاضل، إذ كان الراحل يعتبر أن هذين الاسمين أثرا في مساره الأدبي والفني ورؤيته الفكرية، الى جانب أصدقاء قليلين من زمن الرفاق ممن استهلكهم الحلم. لم يكن محمد جبران يؤمن بطقس خاص يقوده إلى تحبير البياض، فقد اعتبر دوما أن جسده طقس مؤثث على الدوام لممارسة «حب وحرب الكتابة… الكتابة هي رائحتي وهويتي، تحملني وأحملها معي أينما رحلت وارتحلت.. هي كرامة الخنجر الفضي القاتل لقلبي والموت دونها أهون. لا أستأنس الاشتغال مقيدا الى المكتب، تلك عادة تسربت من عمري كما يتسرب العمر ولا يعرف المرء أين تواريا: هي والعمر». اليوم، توارى العمر أيها الراحل البسيط، لكن ليظهر في مرايا الكتابة لامعا كحد سيف حروفك.
المصدر: حفيظة الفارسي نشر في الاتحاد الاشتراكي

