Close Menu
أرشيف الأخبار
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام
    أرشيف الأخبار
    الاتصال بنا
    أرشيف الأخبار
    الرئيسية » مبدعون في حضرة آبائهم … سعيد منتسب : صفعة اليتم المبكر

    مبدعون في حضرة آبائهم … سعيد منتسب : صفعة اليتم المبكر

    بواسطة دابا ماروك11 أغسطس، 20195 دقائق
    فيسبوك تويتر بينتيريست لينكدإن Tumblr البريد الإلكتروني
    شاركها
    فيسبوك تويتر لينكدإن بينتيريست البريد الإلكتروني

    في رسالة كافكا إلى أبيه: « أبي الحبيب.. لقد سألتني مؤخراً: لماذا أزعم أنني أخاف منك؟ وكالعادة لم أدر بماذا أجيبك. تارة بسبب الخوف الذي يعتريني أمامك، وتارة لأن الكثير من التفاصيل متعلقة بحيثيات ذلك الخوف، بحيث لا يكون بوسعي لملمة شتاتها في الحديث معك ولو جزئياً. وإنني إذ أحاول هنا أن أجيبك خطياً، فإن كل ما أقوم به لن يكون سوى محاولة مبتورة، وذلك لأن الخوف وتبعاته يصدانني عنك حتى في الكتابة، ولأن جسامة الموضوع تتعدى نطاق ذاكرتي وإدراكي «.

    أمام اللجوء أو الهروب إلى الأم الحاضنة والحنونة وملاذ « التواطؤات « الجميلة، كيف يستحضر مبدعونا المغاربة صورة الأب، وهل تختلف نظرتهم إلى هذه السلطة الرمزية التي ارتبطت بالصرامة والتحكم؟ كيف دبروا هذه العلاقة التي تلتبس فيها العواطف بين خوف واحترام، بين حب أو كره، بين تقديس وقتل؟ لم يفتح عينيه حين وقفت أمامه على زاوية فراشه ذلك اليوم. المسافة بينه وبين السقف لم تكن عالية، ولم يحاول إطلاقا أن يستيقظ، كأنه استلذ الاستلقاء على ظهره ليحلم. بماذا كان يحلم هذا الرجل وأنا أتكئ على جدار غرفته البارد والمبقع بالسعال ورائحة الكلوروفورم؟ هل يكفي أن أسحب عنه الملاءة البيضاء لينهض من ذلك المرض الذي جعله يَسْوَدُّ وينكمش ويغرق في الوجه الأكثر غورا للغياب؟ هل يكفي أن أدعك وجهه بتأنٍ جارح هو الذي يصر على الفرار كلما أردتُ أن أكون ابنه؟ هل يكفي أن أزيل من طفولتي ذلك الكفن الناصع البياض الذي التوى حوله حين ساقني شقيقي الأكبر لأقبل جبينه قبل أن يقتادوه إلى مقبرة “اسباتة”؟ لم أمش معه قط. كنت أسير إليه. أعيد رتق وجهه قي ذاكرتي أكثر من مرة. أستعين بما يرويه عنه الكبار لأرمم ذلك الاختلاج الذي يحضر بقوة كلما زرت “ألبوم العائلة”، أو كلما سمحت لنفسي بالمرور إلى يتمي المبكر. سعل كثيرا ومات، كأنه كان يعرف أنه لن يصل إلى الصباح. مات ليلا ونحن نيام. لم ينم مثلما يفعل الآخرون. يفترشون الحصائر ويتغطون ب”الهرادل” و”الأُزُر” و”العبانات”، ويحاولون الإمساك بالشمش أو المطر. هذا الرجل الهادئ في سيره غافلَ الجميع ومات. ترك زوجة في السادسة والثلاثين وتسعة أطفال مُرْد.. وقلمون من العرعار.. وعشرة آلاف ثقب في الجدار.. تركهم ومشى دون توقف. لم يلتفت. اختبأ في قبره بهدوء تام، وخبا حين ظننت أنه سيضيء. أخبروني أنه ذاهب إلى السماء مخفورا بملاكين بأجنحة بيضاء وتروس ورماح، لكني رأيتهم يهيلون عليه التراب بالرفوش والمعاول. طلبوا مني ألا أصدق ما أراه. أرى أمي تبكي فأبكي. أرى شقيقاتي بوجوه توقظ الجمر فتتساقط أحجار في قلبي وأبكي. أرى النوافذ تتحول تلقائيا إلى غاز سام فأبكي.. وحين أتعب من الوجوه الكالحة التي تصطف وتعبر، أخرج من البيت بخط سير واحد لأركل الكرة بقدم أكثر فصاحة من الحزن. لم أطق أن أرى أمي تحزن على ذلك النحو المربك، وأن تَحْشِدَ في بياضها الانفرادي ما لا تطيق. أدخلنها غرفة ضيقة. حمَّمنها وليَّفنها وألبسنها “حق الله”.. وصارت أرملة “السي لحسن”. ذاك الرجل الذي كان يسعل قبل أن يمضي.. وأمضي إلى المعنى المر لليتم، أتأرحج بجسارة المُفْلسين على غصن معرض للكسر.. ولا شيء في مكانه الصحيح إلا ذلك القلمون الذي يذكرني أن الحياة برمتها “عشبة” تقع خارج السيطرة.. كان “السي لحسن” حين تسنح دراهمه، يعرج خفية على بيت جارنا “با التدلاوي” ليأخذ حزمة “الكيف” ملفوفة في ورق جرائد. يدسها في الجيب الداخلي لمعطفه الغامق، ويدخل إلى البيت معبأ بشعور لذيذ، كالعائد من الحرب بغنيمة لا تقدر بثمن. يضع أمامه اللفة ولوحا خشبيا مربع الشكل، ويبدأ في فصل ورق العشبة عن العيدان.. وحين ينتهي، يخرج سكينه “السباعي” ويشرع في فرم الورق المشبوه بانتباه ودأب.. مرات ومرات ومرات تكاد لا تنتهي.. لا يعير اهتماما للوقت الذي يهتز على عجل بين يديه. كل شيء مهمل ومنسي عدا ذلك المسحوق الذي يخضرُّ فتفوح منه رائحة ناضجة وغير متقطعة.. الكيف والمطوي.. الشقف والسبسي.. وكؤوس الشاي المُشَحَّر الذي يختلط بنشرة الأخبار وهسيس العفاريت المستقطر من ضحك الريح.. يمج السبسي وينفث الدخان، فأسعد وأتصاعد وأتلغم عن طريق الخطأ بالطعاريج والكمنجات والزمهرير. أتبادل الأدوار مع هذا الرجل ذي العينين الضيقتين.. فأصير أبي، ويصير أنا.. فأرد له تلك الصفعة المدوية التي علمتني مبكرا أن الحياة في مكان آخر.. صفعني بقوة حتى انفصل رأسي عن جسدي ثم عاد، وأنا أرتعش بين سيارتين متوقفتين في الشارع من البرد. عاد رأسي، ولم أعد من تلك الصفعة الظالمة التي وقعت عليه. صفعني لأن أختي الصغرى أخبرته زورا أنني ضربتها.. ولم أضربها يا أبي. أقولها لك الآن.. ما زالت تلك الصفعة بكامل صحتها على خدي، تستعر بحذر بالغ كلما حاولت أن أتخمَّر في أبوتك المنزلقة.. أُتَأْتِئ وأحاول إزالتها بعناد، لكنها تصر على الصراخ الحاد لأدعها وشأنها..لم أضربها. أوقعتني على الأرض، وأوقعتها بين ذراعيك.. ولكثرة ما دق قلبي، هربت لأطلق سراح الدمع المتعارك في عينيَّ.. ولأهتدي إلى وجعي بجرعة زائدة من البرد.. لم أضربها يا أبي.. وحق “با التادلاوي” وحق الرقم السري للمطوي.. وحق الزحف العائم للنشوة.. وحق الرأس المائل على كتف العشبة.. ولا أتذكر ذلك الرجل الذي مات- ربما يضع الآن ساقا على ساق في صورة أخرى لا أعرفها- إلا وهو ينظر إلى السقف وأمي تهز رأسه الصغير وتقطر في جوفه حساء البلبولة بالكرنب. ينظر إليها ويسعل.. ينظر إليها بعينين دامعتين كأنه يعبر شارعا من الجثث. قال لها إنه سيموت ويتغطى بالغبار.. ولم يقل لنا إن صعوده السريع إلى الجنة (هكذا قيل لي) شبيه باجتياح جيش من حشرات اليتم السامة..

    المصدر: مصطفى الإدريسي نشر في الاتحاد الاشتراكي

    شارك هذا الموضوع:

    • شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
    • المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
    • المشاركة على WhatsApp (فتح في نافذة جديدة) WhatsApp
    • اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
    • المشاركة على LinkedIn (فتح في نافذة جديدة) LinkedIn
    • إرسال رابط بالبريد الإلكتروني إلى صديق (فتح في نافذة جديدة) البريد الإلكتروني

    مقالات ذات صلة

    أخبار
    شاركها. فيسبوك تويتر بينتيريست لينكدإن Tumblr البريد الإلكتروني
    دابا ماروك
    • موقع الويب

    المقالات ذات الصلة

    قانون المالية 2026.. الحكومة تقبل 72 تعديلا بمجلس المستشارين

    4 ديسمبر، 2025

    هذا موعد الافتتاح الرسمي لحديقة عين السبع بالدار البيضاء

    4 ديسمبر، 2025

    خط جوي جديد ومباشر يربط الدار البيضاء بلوس أنجلوس

    4 ديسمبر، 2025
    اترك تعليقاً إلغاء الرد

    بعد نجاح العروض الدولية.. فيلم «الهاربون من تندوف» يصل إلى القاعات السينمائية المغربية

    22 أكتوبر، 2026

    لأول مرة في إفريقيا.. تجارب عسكرية مشتركة بين القوات الأمريكية والمغربية بطانطان لرصد وتفجير الطائرات المسيرة

    22 أكتوبر، 2026

    أحوال الطقس يوم الخميس: أمطار وأجواء غائمة تشمل هذه المناطق المغربية

    22 أكتوبر، 2026

    مزور وحجيرة يبتدئان مشوارهما الحكومي بلقاء تواصلي لتحديد أولويات المرحلة المقبلة بالمغرب

    22 أكتوبر، 2026

    حريق مدمر يلتهم مستودع شركة النظافة بمراكش ويتسبب في خسائر مالية كبيرة

    22 أكتوبر، 2026

    أربعة مغاربة يشعلون الموسم الثاني من “الحب أعمى، حبيبي” على نتفليكس!

    22 أكتوبر، 2026

    رعب في تارودانت بعد انهيار جزء من سورها التاريخي الشهير

    22 أكتوبر، 2026

    إلغاء تسقيف مباريات التعليم.. المنصوري تسرع الإجراءات لتحقيق “100 يوم” من الأمل للمغاربة

    22 أكتوبر، 2026

    مداهمة جمركية في فاس: حجز مجوهرات قيمة وتوقيف 3 أفراد في محلات للذهب

    22 أكتوبر، 2026

    المنصوري تعلن عن إنهاء مهام خيير في مجلس المستشارين: «خطوة جريئة» والنزاهة تُعتبر قضية أساسية

    21 أكتوبر، 2026

    بادرة إنسانية من حموشي بعد وفاة شرطي في حادث سير بالرباط

    21 أكتوبر، 2026

    أمن العيون يوقف شخصاً معروفاً بأعماله السابقة ويضبط أكثر من 350 قنينة من المشروبات الكحولية

    21 أكتوبر، 2026

    إصلاح ضريبي تاريخي: تغييرات هامة للأجراء في المغرب ابتداء من 2027!

    21 أكتوبر، 2026

    ريشة عينوش: بدائل مُضللة تَحل محل سياسة الدولة

    21 أكتوبر، 2026

    المكتب الوطني للمطارات: تعيين نبيل مصالي كمدير لقطاع الملاحة الجوية بالمغرب

    21 أكتوبر، 2026

    القصة المأساوية لمقتل رضيعة على يد والدها.. كيف تحولت مكالمة انفعالية إلى مأساة هزت العاصمة الاقتصادية للمغرب؟

    21 أكتوبر، 2026

    وزارة الصحة تطلق حملة وطنية لتحفيز الرضاعة الطبيعية وتبرز فوائدها لصحة الأم والطفل في المغرب

    21 أكتوبر، 2026

    تنظيم الدورة الرابعة للملتقى الوطني لتراث الواحات في أقاايغان بإقليم طاطا: احتفاء بالثقافة والتاريخ المغربي

    21 أكتوبر، 2026

    لقطات حصرية من خامس أكبر سد في المغرب: أشغال بناء سد “خنك كرو” تقترب من نهايتها

    21 أكتوبر، 2026

    الجزائر: لغز اللحوم المختفية.. عندما تتساءل الدولة عن نفسها

    21 أكتوبر، 2026
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام بينتيريست
    © 2026 داباماروك .

    اكتب كلمة البحث ثم اضغط على زر Enter