في رسالة كافكا إلى أبيه: « أبي الحبيب.. لقد سألتني مؤخراً: لماذا أزعم أنني أخاف منك؟ وكالعادة لم أدر بماذا أجيبك. تارة بسبب الخوف الذي يعتريني أمامك، وتارة لأن الكثير من التفاصيل متعلقة بحيثيات ذلك الخوف، بحيث لا يكون بوسعي لملمة شتاتها في الحديث معك ولو جزئياً. وإنني إذ أحاول هنا أن أجيبك خطياً، فإن كل ما أقوم به لن يكون سوى محاولة مبتورة، وذلك لأن الخوف وتبعاته يصدانني عنك حتى في الكتابة، ولأن جسامة الموضوع تتعدى نطاق ذاكرتي وإدراكي «.
أمام اللجوء أو الهروب إلى الأم الحاضنة والحنونة وملاذ « التواطؤات « الجميلة، كيف يستحضر مبدعونا المغاربة صورة الأب، وهل تختلف نظرتهم إلى هذه السلطة الرمزية التي ارتبطت بالصرامة والتحكم؟ كيف دبروا هذه العلاقة التي تلتبس فيها العواطف بين خوف واحترام، بين حب أو كره، بين تقديس وقتل؟ كيف تغدو الوظيفة الأبوية في لا وعي الطّفل أو الشاب حين يغيب الأب؟ ما هي الآثار النفسيّة والعاطفيّة لهذا الغياب؟ هل تعوّض رمزية الأب رمزية أخرى؟ حين يكون الأبُ غائباً، تختلف طبيعة الحديث عنه حين يكون حاضرًا، حيّا، إذْ يغدو الحديث عنه حديثا عن الغياب، وبالضّبط عن أثر الغياب الذي يتحول إلى نرجسيّة هوياتيّة مؤسسة على الغياب والنّفي: ننتقل من موقف أو من نظام حسّي عاطفي إلى موقف فكري، ذهني. حضور الأمّ يختلف عن حضور الأب، حتّى وإنْ حاولتْ، بكلّ الوسائل، تعويضه، تعويض السلطة الأبويّة. عمليّة التحويل بالمعنى السيكولوجي غير ممكنة. ربّما لأنّ العلاقة بالأب هي دائما علاقة غير مباشرة، غير متواطئة، علاقة ينبغي إنتاجها، أو الحرص على إنتاجها وفق منطق خاصّ به. بالنسبة لي، عشتُ العلاقة بالأب، مع الأب، في مستوييْن مختلفيْن: العلاقة الأولى مباشرة وواقعيّة منذ الطفولة إلى البلوغ. علاقة محكومة بالأعراف الاجتماعيّة التي ترسم للأب البيولوجيّ مجالات السلطة الأبويّة بين الآباء والأبناء، المتمثّلة أساسا في توفير الإمكانيات الماديّة والتّغذية، مع ما يستتبعها من الحرص على التربية وتوجيه السّلوك والتعلّم. خارج هذا الواجب، لم يكن والدي يعرف عنّي أيّ شيء في الواقع. ذلك أنّ تولّى تربيتي، في الواقع، هي دار الشباب (ابن امسيك) والمخيّمات الصيفيّة والحضريّة في البداية، والمخيّمات الجَبَلية فيما بعد. بدار الشباب، وجدتُ نفسي تحت رعاية آباء رمزيّين متعدّدين حريصين على هذه الوظيفة: المدير الذي كان يقوم بزيارات مفاجئة لبيوتنا قصد التّأكد من أنّ أبوينا على علم بارتيادنا دار الشباب، الدروس المجّانية التي كان يتولى تقديمها أساتذة أمثال المرحوم عبد الله حارص، الدخول الإجباري إلى خزانة الدّار (التي زوّدها بالكتب في البداية الجيل الأوّل من أمثال عبد الله ازريقة، محمد حيتوم، أحمد جندول، سالم اكويندي، الخ). تلك كانت سنوات الأبوة الرمزية التي جعلتنا، جعلتني أنا على الأقلّ، أتبنّى مواقف لستُ أدري كيف ولماذا من مؤسسة الأسرة والسلطة الأبوية، الخ. وبدون مقدّمات، وبكيفيّة مفاجئة وسريعة، سيمرض والدي ويتوفى بالسرعة ذاتها، دونَ أنْ أكونَ على الأرجح ذلك النّموذج التّقليدي الذي كانَ يرتضيه ويرْسمه. توفيّ والدي سنة 1982، بُعيْد أحداث الدّار البيضاء الدامية والقمْع المسلَّح والمُعَمّم على أحياء المدينة العُماليّة، وبُعيْد حصولي على شهادة البكالوريا والتحاقي بجامعة محمد الخامس بالرباط. بعد ذلك، عرفتُ بالحدس أنّني أضعتُ الشيءَ الكثير في العلاقة الأبَوية. أضعْتُ ذلك النَّفَس الطبيعيّ النّابع من عواطف وأحاسيس عميقة يكّنها الآباء لأبنائهم الذين انطلقوا في مسارٍ تعليميّ ملائم. أضعْتُ ذلك الأب الذي يَنْقُل دون وعْي في غالب الأحيان النظام الرمزيّ غير المحدّد الملامح والتّضاريسإلى الابن، الابْن البِكر على وجْه الخصوص بفضل سيرورة ذهنيّة وعاطفيّة تتأسّس على اللغة السّرّيّة، لكنْ بالمُوازاةِ مَعَ انْعِدامِ اليقين الأبويّ تُجاه هذا الابن. من الصّعب، في الحقيقة أنْ تكونَ ابْنا بكرًا ذَكَرًا في مرحلة تاريخيّة معيّة. تتحمّل كلّ الثّقل الذي تصدره الوظيفةُ الأبوية التي هي وظيفة رمزية بامتيازٍ.يمكن القوْل إنني عشتُ “العلاقة الأبوية”، إذا صحّ التعبير، لا كيقينٍ جسدي وعاطفي (ونحن نقرأ في الثانوي كتبًا من قَبيل”الثالوث المحرّم”و”من التراث إلى الثورة” والإنسان المقهور”) تلقائيّ، بل كإدراكٍ عقليٍّ وثقافيّ قبل الأوان لِما يؤسّس الرغبة في تخطّي القانون الاجتماعيّ الذي تُؤسّسه العائلات المغربيّة. ومن ثمّ، فلمْ أحتفظ منها إلّا بِصُورَةِ الأبِ الرمزيّة، الأب باعتباره نوستالجيا جميلة متوارية، ونداء كوْنيّ خفيّ. متوارٍ وخفيّ لأنه شديد الحضور في الوعي واللّاوعي. يختفي الأب كعلاقة انتسابية وعضويّة وتربوية، ليحضر بشكل أقوى كعلاقة متخيلة ورمزيّة تستمرّ. أيْ صورة ذلك الأب الذي كان ينقل لي كلّ شيء مواربة و”على مسافة”. تلك المسافة التي تقول تزيد من السلطة الأبوية الرمزيّة: ينبغي أنْ تفهم ما يُقال وما ينبغي أن تقوم به لأنّك رجل أولا، ولأنني أريدك أن تكون أفضل منّي.
المصدر: مصطفى الإدريسي نشر في الاتحاد الاشتراكي

