يشهد المغرب جدلا كبيرًا حول توجه مفترض لإلغاء مجانية التعليم في الطور الثانوي والجامعي، بعد انتشار أخبار حول مصادقة المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، وهو مؤسسة استشارية، على توصية تخصّ إسهام الأسر المغربية في تمويل دراسة أبنائها بالقطاع العمومي، ممّا يعني الدفع في اتجاه تبني البلاد لقانون من هذا النوع.
وبدأ الجدل منذ نشر المجلس الأعلى للتربية والتكوين بيانًا بمناسبة انعقاد دورته العاشرة، جاء فيه أن المجلس صادق على توصية إلغاء مجانية التعليم في السلكين العالي والثانوي، وهو مشروع تقدم به رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران، وعيّن لأجله لجنة تقنية كلفت بإعداده، تتكون من الكتاب العامين للقطاعات المعنية والأمانة العامة للحكومة ووزارة الاقتصاد والمالية. وتعليقا على الموضوع، قال محمد يتيم، عضو سابق بالمجلس، وقيادي بحزب العدالة والتنمية، إنه «لا يمكن التنازل عن مجانية التعليم العمومي، باعتباره خدمة عمومية أساسية لا يمكن للحكومة التفريط فيها»، غير أنه أشار إلى أن ميثاق التربية والتكوين السابق، نص على فرض رسوم على الأسر الغنية، وهو أمر معمول به في كل الدول، بينما «لن تُفرض أيّ رسوم على الأسر الفقيرة وعموم الشعب». أمينة ماء العينين، عضوة بالمجلس الأعلى للتربية والتكوين، أكدت أن هذا الأخير لم يصدر أيّ رأي بعد في مشروع القانون الإطار، وأن ما صدر هو رأي للجمعية العامة للمجلس، لافتة فيما نشرته على حسابها بفيسبوك، إلى أن اللجنة المكلفة ستعمل على إدخال ملاحظات واقتراحات الجمعية العامة التي شهدت نقاشا مطولا وحادًا، وبعدها ستحال الصيغة الجديدة على مكتب المجلس الذي سيعمل على المصداقة عليها. وتابعت ماء العينين أن الرأي «سيحال بعد ذلك على رئيس الحكومة الذي طلب رأي المجلس بخصوص مشروع القانون الذي لا يمكن احالته على البرلمان قبل مصادقة المجلس الوزاري عليه طبقا لاختصاصات المجلس الوزاري الدستورية، إذ يصادق على مشاريع القوانين الاطار كما القوانين التنظيمية». وفي انتظار ما سيأتي يجدر الإشارة إلى أن الإشكال المطروح، من وجهة نظر المتتبعين، هو تحديد مفهوم «الأسر الفقيرة»، فالأسر التي يبلغ دخلها الشهري ثلاثة آلاف درهم تصنف بشكل رسمي على أنها ليست فقيرة، في حين أن هذه الأسر وحتى تلك التي يصل دخلها إلى أربعة آلاف درهم أو سبعة آلاف درهم لا تستطيع تلبية متطلباتها المادية إذا كان اثنان أو ثلاثة من أفرادها يتابعون دراستهم، إضافة إلى متطلبات الحياة الأخرى من مسكن وتطبيب… وكانت المندوبية السامية للتخطيط قد كشفت أن 59 % من الأسر المغربية تقول إن دخلها يغطي مصاريفها، في حين أن 33.4 % منها تستنزف من مدخراتها أو تلجأ إلى الاقتراض، ولا يتجاوز معدل الأسر التي تتمكن من ادخار جزء من دخلها 7.6 %. إلى من يعللون قرار إلغاء المجانية بتنويع مصادر التمويل نقول: يجب محاربة الريع والتملص الضريبي من أجل توفير الأموال اللازمة، مع فرض ضريبة تضامنية مع قطاع التعليم على المؤسسات الاقتصادية والمالية. ويبقى الاقتطاع من أجور الوزراء والبرلمانيين هو أحسن حل لتنويع مصادر تمويل قطاع التعليم، بالإضافة إلى الأجور التي تصرف لصالح أعضاء المجلس المحترم والتي في الغالب لا تمثل مصدر عيشهم الوحيد. وعوض إلغاء مجانية التعليم، يجب اعتماد الشفافية في تسيير الميزانية المحددة لقطاع التعليم ومحاربة الموظفين الأشباح. عوض إلغاء المجانية، يجب إعادة توزيع أموال الدولة بطريقة عادلة بين أبناء الوطن الواحد ودعم الفقير قبل الغني والكف عن سياسة: «زيد الشحمة في ظهر المعلوف». وفي الختام، حتى وإن ألغيت مجانية التعليم، فسيبقى الحال كما هو عليه. وخير مثال، قطاع الصحة العمومية، إذ تم اعتماد نظام «راميد» للمساعدة الطبية للفقراء، وتم تخصيص ميزانية لهذا النظام، ورغم ذلك، فإن الأهداف والمقاصد التي من أجلها وُضع هذا النظام لم تتحقق بالكامل، فقد اعتبر الخبير الاقتصادي هشام الموساوي، في دراسة له حول النظام المذكور نشرت بموقع «هيسبريس» خلال 2016، أن الأرقام تبين عدم رضا المواطنين عن برنامج «راميد»، ذلك أن معدل تجديد بطاقة «راميد» لم يتجاوز 47 بالمائة بالنسبة للمواطنين الذي يوجدون في صنف «الفقراء والأكثر هشاشة». فهل إلغاء مجانية التعليم هو آخر حل في طريق الرقي بمدرستنا العمومية إلى المستوى المطلوب أم أنه يبقى مجرد تخمين غير مدروس العواقب يزيد من أتعاب وأعباء الأسرة المغربية، المنهكة أصلا، ويبدد حلمها في الحياة الكريمة؟!
المصدر: زينب غرنوك نشر في التجديد

