لقد صارت موضوعة الجسد تستقطب اليوم اهتماما بالغا في الفكر الفلسفي والعلمي، ليس لأنها كانت موضوعة خارج التقليد الفلسفي والديني، وإنما بالنظر إليها من زوايا علمية متعددة، كالسوسيولوجيا، والأنثربولوجيا، والتحليل النفسي، والسيميولوجيا والأدب… ونحن هنا، لا نود الانخراط في تاريخ الجسد، ولكننا نرغب في الإشارة إلى أهم القضايا التي أثيرت حوله. ونعني ثلاث محطات رئيسة وهي: الفكر الفلسفي، والفكر الديني، وأخيرا الفكر العلمي. والوقوف عند هذه المحطات يشكل بالنسبة لنا خريطة طريق لملامسة واختراق الإشكالية البحثية التي اقترحنا النظر إليها. وهي محطات تشكل استئناسا أوليا لموضوعنا.
يبدو لنا إذن وضوح الصراع بين منشدي الحداثة، وانصار التقليد من الفقهاء المسلمين، إلا أن هذا الصراع، دفع محمد عابد الجابري ليتساءل: لماذا انتصر الفقه وانهزمت الفلسفة ؟ إن هذا السؤال الخلاصة، يبين لنا مركزية الفقه في الثقافة العربية الإسلامية. إنه يسكن لاشعورنا الجمعي، لذا فرسوخه في الذاكرة والأرشيف يشكل السلطة التي لا تقهر على الرغم من مرور قرون. وهو بهذا المعنى يرسم الحدود في كل شيء باسم طاعة الله ورسوله وأولي الأمر، إنه يقوم بهندسة اجتماعية تفيد الخضوع و الإذعان لأولي الأمر.
ألهذا تم تهميش المرأة من الصراع الاجتماعي أو بالأحرى من الفضاء العمومي؟ وكأن حجبها وحجابها يفترض إقصاءها من الأمور التي يحتلها الرجل. فالفقهاء هم أول من قام بإغلاق الأبواب على النساء، ولأن أكثريتهم يعتبرونها فتنة وسببا في الفوضى الحسية. فإن الأخبار تتحدث عن كون المرأة قرينة الشيطان أو هي الشيطان بعينه، الشيء الذي كان الحجب سنة مؤكدة بزيادة. إنهم تزايدوا عليها في كون الصوت عورة والمشية كذلك، هذا دون أن نتحدث عن الخمار الذي يلفها. ففي الخبر مثلا ‹‹لا يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة، وجاء إنهن قليلات عقل ودين›› . هكذا وضع أو اتخذ الفقهاء هذا الحديث إطارا لتهميش المرأة باعتبارها أصل الخطأ والخطيئة. فهي – على هذا الأساس، لا تحق لها الإمامة و لا القيادة – ليس لأنها قليلة العقل والدين، وإنما هي مرتع الشرور. يقول علي بن أبي طالب: ‹‹لا تطيعوا النساء على حال ولا تؤمنوهن على مال ولا تذروهن لتدبير العيال. فإنهن أن تركن وما يردن أوردن المهالك›› . لا نريد هنا ربط هذا القول بسيكولوجية صاحبه وما وقع له مع عائشة زوجة النبي، بقدر ما يعطينا هذا الوضع مساحة للتهميش الذي وقع للجسد الأنثوي في الإسلام. إننا لا نتحدث عن الفقهاء بصيغةٍ تجمعهم في سلة واحدة، ولكن لا وجود لخلاف في هذا الأمر مادام النص الديني يؤسس خطابه على قوامة الرجل على المرأة.
لا غرو إذن أن يكون “الفقه” أعدل قسمة بين المسلمين، وأن يكون هؤلاء تابعين لأوامر الفقهاء ونواهيهم وما بينهما. إن الفقيه – بهذه الصيغة – هو المعماري الوحيد في الثقافة العربية الإسلامية، والذي يهندس المجالات في جغرافيا الحلال والحرام. لهذا تشكل الفتاوى في الخطاب الفقهي إجابات قطعية – لأسئلة راهنة ساعتها – : وهذه الفتاوى مبنية على إجتهاد فقهي خاص، أو هي مطلوبة من لدن أولي الأمر، أو هي إجابة عن فوضى الحواس في زمنه. إنها إجابة عن أسئلة محددة في الزمان والمكان، أي أنها ليست مطلقة، فكل زمان له فتاويه- حسب ابن قيم الجوزية – إلا أن قطعيتها النهائية والمطلقة تظل ساكنة في الأرشيف والذاكرة، ويتم استخراجها عند الحاجة. ثمة أحكام لا يريد الفقهاء التنصل منها حتى وإن كانوا يخدمون السلطة السياسية. وبمعنى آخر : إنهم يتحايلون على قطعيتها وإطلاقيتها دون أن يمسوا الجوهر الذي يؤسسها.
إن حديثنا عن مركزية سلطة الفقه في الثقافة العربية الإسلامية ليس بحثا في التفاصيل الدقيقة، والمرجعيات المعرفية، والإواليات النظرية، وإنما في ملامسة خفيفة، تبرق وتضيء ما نحن بصدده أي الكيفية التي بنت بها الثقافة العربية الإسلامية ذاتها عبر الطاعة. وهي التي نظر إليها الفقهاء بشكل صريح، باعتبارها طاعة يكون القضيب مركزا لها، سواء حمل رمزية السلطان، أو رمزية الذكورة. إن قاريء الكتابات الفقهية حول الجنس من قبيل ابن قيم الجوزية، والغزالي والشيخ النفزاوي، وغيرهم سيلاحظ مبرر هذه الكتابات الرئيس في محورين : أولهما (لا حياء في الدين) منطلقا يحرر الخيال والتخيل من تلك السلطة التي وضع فيها، وثانيا (بأمر من أحد السلاطين، أو رجال الدولة أو غيرهم). وهما محوران يبرر الواحد منهما الآخر كنوع من تغليف السلطة الفقهية بالأمر الإلهي.
إن الفقيه ينفلت من صرامته، على شرعية أعطيت له ليتحدث في أمور أخرى، كما لو كان يرغب في التماس مع الشعراء الذين يتبعهم الغاوون.
من هنا وجب علينا طرح الأسئلة الآتية: كيف ضبط الفقهاء الجسد؟ أو بالأحرى، كيف نتحدث عن الجسد بين الدنيوي والقدسي ؟ إن الفقيه، كما قلنا، يقوم بتطويع الجسد المسلم حتى لا ينفلت نحو الفوضى، على اعتبار أن هذه الأخيرة ستهز النظام الإسلامي. فهو بهذا المعنى ينضبط للمقدس الديني حين يضبط الجسد بالحدود التي يرسمها له بين المأمور والمحظور.
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

