أكاد أجزم، وهذا يشاطرني فيه عدد من الأصدقاء المقربين من الفنان حفيظ البنوي، أن هذا الرجل “أحمق” و”مجنون”، نعم إنه كذلك…إنه يفعل ما لا يقوى أحد على فعله، لقد استطاع أن يوصل “المهرجان الغيواني” إلى دورته السادسة، لكن في أي سياق وأية شروط ؟
وأنت تتبع السياق الفني العام، لن تصل إلا لنتيجة واحدة، وهي أن المؤسسات التي تعنى بالفن والثقافة تعطي انطباعا عاما، بأنها تريد أن تقطع مع الماضي، بكل ما يحمل، ولعل الإعلام العمومي، “خرج” لهذا الشرط من الباب الواسع، عندما أزاح كل الفنانين المقتدرين القدامى والمخضرمين، وأحالهم على البرنامج التلفزي للتقاعد”مسار”، الذي يعده الزميل عتيق بن الشيكر، أو على برامج أخرى مماثلة ذات المضمون النوستالجي.. وفتحت الباب على مصراعيه لأغان تمت تسميتها ب “أغاني الشباب ” أو “الأغنية الشبابية “، من خلال فنانين تكونوا تحت أسلاك ونقرات الكومبيوتر وموسيقى مستوحاة ومفصلة على طريقة “غوغل”، حتى في المهرجانات التي تم “تأميم” عدد كبير منها نلحظ أنها أقصت كل المجموعات الغنائية والفنانين الذين صنعوا مجد الأغنية، وأحالوهم على مهرجان الموسيقى الروحية، فيما فتحت أبوابها فقط للأغنية “الشبابية”. أكثر من هذا، فإن الإعلام العمومي ، و عكس ما يقوم به الإعلام في بعض الدول العربية، لم يخلق لو قناة يعنونها ب”الكلاسيكية”، ليسترجع المواطن بعض الأعمال الفنية التي كانت تنتج منذ بداية التليفزيون في المغرب إلى الآن ، حتى أنه لا يقدم أغاني قديمة كما كان يفعل في السابق، في الوقت الذي نجد فيه القنوات العالمية في الدول الكبرى مازالت تقدم أعمال الفنانين العظام الذين صنعوا مجد أغانيها وفنها .
في هذا السياق، الذي رسم خطأ، لأن القطع مع الماضي مغامرة لا يقبلها منطق الطبيعة في أي مجال، يخرج “المهرجان الغيواني”، ينظمه نجم من نجوم الفرقة الرائدة “ألوان” وما أدراك ما ألوان؟ تلك المجموعة
المراكشية
التي ألهمت أفئدة الشباب في فترات من زمن المغرب، وهو حفيظ البنوي. يجول الرجل في دروب كل مدينة ليقنع المهتمين بفكرته ولا يحمل معه إلا صدقه والملابس التي يرتادها .. يتحدث إليك للوهلة الأولى .. تعتقد أن الرجل يحلم قبل أن يقنعك بأن مساهمة بسيطة منك قد تنجح الفكرة .. وهكذا يفعل، وهو يتنقل من هذه
المدينة
إلى تلك، وكأنه يركب قطع الألغاز(puzzles ) بين المدن .
اعتدنى في هذا الزمن، أن أي مهرجان لن يكون ناجحا إلا إذا توفر لك الممونون والإمكانات، أي أن المال هو المحدد الرئيسي لمدى نجاح أي تظاهرة فنية، ما دام الفن تحول إلى رقعة الممونين، فكيف لفنان بمعية مجموعة من أصدقائه الحالمين، قد يوفرون شروط نجاح مهرجان لا يستهوي فرقة الممونين بطواقم من الناطقين بالفرنسية والإنجليزية والألمانية والنمساوية والأزباكستانية … (إلا الدارجة ) .
بكل ما للدارجة من معنى عميق، انطلق البنوي في تحقيق حلم فكرته، (ع الله) كما هو حال المجموعات التي أطلق اسمها عنوانا لهذا المهرجان، فناس الغيوان وجيل جيلالة والمشاهب وإزنزارن والسهام وألوان وتكادة وغيرها من المجموعات، انطلقت(ع الله)، في زمن كان فيه فكر المواطن المغربي لا يؤمن إلا بالأغنية المشرقية وبعض من الأغاني العصرية المغربية، لتتمكن موجة (ع الله) من اكتساح العالمية .
عقبات وعقبات.. ستواجه هذا “السيزيف”، مبيت غير متوفر للفنانين المشاركين، و إن توفر فهو أحقر مما يتوفر لأي فنان من الدرجة الثالثة يشارك في مهرجانات الممونين الكبار … تعويضات مالية للمشاركين، إما منعدمة أو صادمة القاعة التي يوفرها مسؤولون بعيدة عن مركز
مراكش
… تنعدم الملصقات في الشوارع والإعلانات في الوسائل العمومية … إن حضرت وسيلة عمومية لا تمنح للمهرجان إلا زمن دقيقتين أو خمس دقائق إن جادت عليه … مساهمات من مؤسسات مؤثثة للمدينة لا يتوصل بها المنظمون إلا ب”الريق الناشف” مع إحراج كبير للطرفين … ينطلق المهرجان ولا تخرج إلا بانطباع واحد، وهو أن الرجل ساحر..، حضور مكثف للجمهور بالمئات، وجوه فنية رائدة تأتي من مختلف المدن ولا يهمها عناء البحث عن القاعة المحتضنة للتظاهرة، أو مستوى المبيت الذي جاد به مسؤولون في عمر أبنائهم، لتجد نفسك أمام فرجة من الطراز الكبير، وعروض رائعة وراقية تضاهي ما يقدم في مهرجانات تقام بالملايير أو السهرات المقدمة في بلاتوهات العرايشي .
مهرجان بطعم أخر لا تصنع فيه.. يحس كل من حضره، أنه صانعه.. شخصيا أحس هذا الإحساس وكأنني صاحب المهرجان وهذا حال عشرات الفنانين والإعلاميين والكتاب الذين يواكبونه، والظريف أن هذا المهرجان يقام حتى بدون الاستعانة بشركات الأمن الخاصة أو غيرها ، جمهور رائع ذواق ومنظمون يعطونك الإحساس بأنك أنت المنظم .
لا تمر الأمور بدون لغط، فاللغط كثير، وكأن هناك من يحاول عرقلة تجربة شبه عفوية ويواجهها البنوي أو “سيزيف” بالانطلاق إلى الأمام .
سررت هذه السنة عندما علمت بأن المهرجان سيقام لأول مرة بالمسرح الملكي، أي في قلب مدينة
مراكش
وليس في الهامش انطلاقا من يوم 20 يوليوز، وسررت أكثر لأن المكرم في هذه الدورة هو محمد حمادي، العضو البارز في مجموعة لمشاهب الرائدة، حمادي الفنان الصامت والصوت الهارموني البديع، وذلك بعد أن تم تكريم في الدورات السابقة عددا من رواد الاغنية المجموعاتية كشهرمان، رحمه الله، ومحمد باطما وعمر السيد ومولاي الطاهر الاصبهاني وغيرهم..
سيزيف، الحامل لصخرة همّ هذا اللون الغنائي، الذي حمل راية المغرب في الأعالي، أعتبره شخصيا من أنجح المنظمين للمهرجانات بدون بذلة رسمية، لأنه يمارس حمقه الفني هذه المرة من خلال التنظيم والحفاظ على الموروث الإبداعي.
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

