خلال الدورة التاسعة عشر لمهرجان السينما الإفريقية بخريبكة يتم تكريم السينما الإثيوبية وذلك لمجموعة من الاعتبارات من أهمها الحضور الوازن للسينمائيين الإثيوبيين ضمن فعاليات مهرجان السينما الإفريقية بخريبكة، ذلك أن أول مشاركة للسينما الإثيوبية تعود للدورة السادسة (1994) مع السينمائي سليمون بكيليا الذي كان عضوا للجنة التحكيم، لتعود المشاركة السينمائية الإثيوبية في الدورة الثانية عشر (2014 ) بشريط «تيزا» من إخراج هالي جريما والذي حصل على جائزة الإخراج، أما الدورة السابعة عشر فكان نصيب الشريط المشارك تنويه خاص من قبل لجنة التحكيم و حصل عليه شريط «آفاق جميلة» لهور ستيفان جاجير، في حين تمكن شريط «ثمن الحب» لهيرمون هيلاي من الحصول على جائزة أول دور رجالي، أما الدورة الحالية التاسعة عشر فيترشح شريط «الحمل» وهو أول عمل لمخرجه يارد زيلكي، بالإضافة إلى أشرطة روائية مطولة أخرى، أكيد أنها ستكون فرصة نادرة لمشاهدة إنتاجات سينمائية جد مغمورة ..لسينمائيين ينتجون سينماهم في ظروف خاصة وفريدة..
إثيوبيا، ومعناها الوجه البني أو المحترق، من الدول الإفريقية القليلة التي أخضعت للاستعمار لفترة قصيرة. فإثيوبيا اجتاحتها القوات العسكرية الايطالية ما بين 1936الى 1941 ، وبعد الخروج الايطالي لم تخضع البلاد لوصاية خارجية، ورغم ذلك فإنها عاشت نفس ما عاشته الدول التي خضعت للاستعمار لفترات أطول، كالصراع على مقاليد الحكم وغضب الطبيعة ..الخ وهذه الانتكاسات نلخصها في المراحل التالية:
السبعينيات من القرن الماضي عرفت اهتزازات اجتماعية واعتلاء العسكر سدة الحكم، وهي الفترة التي عرفت أوضاعا اجتماعية خانقة، وحصدت أرواحا عديدة والتي اصطلح عليها بالإبادة الجماعية.. وانتهى هذا الفصل من تاريخ إثيوبيا الحديثة بمحاكمة عدد من القيادات… لتدخل البلاد فصلا في الثمانينيات حيث ستعيش أكبر وضع كارثي ( بيئي – بشري) فالجفاف عم البلاد لسنوات أبيد خلالها أكثر من مليون أثيوبي …
وفي التسعينيات انحصر الجفاف وبدا الوضع الاجتماعي بالاستقرار ، فصدر دستور جديد في 1994 يحدد الهيئات المشرفة على تسيير البلاد، وفي 1995 كانت أول انتخابات تنافست فيها أحزاب عديدة، وأفرزت صناديق الاقتراع تنصيب رئيس جديد، إلا أن الحرب الحدودية مع اريتريا أعاق كل تطور محتمل في الشأن الداخلي للبلاد، وهي الحرب التي كلفت البلدين ملايير من الدولارات في بلدين فقيرين لو استثمرت لصالح البلدين لكان ذلك أفضل.. وبعدما انتهت الحرب الحدودية دخلت البلاد مجددا في انتخابات تشريعية متعددة…
وفي الألفية الثانية ومباشرة في سنة 2013 ستعرف البلاد مجددا مشاكل اجتماعية ناتجة عن عملية الطرد الجماعية للمهاجرين الإثيوبيين من العربية السعودية، الأمر الذي أثر سلبا على نفسيات عدد من اسر المطرودين، بسبب سوء المعاملة ..
لذلك، فإن السينما التي تحمل جنسية إثيوبية أغلب مواضيعها سواء تكون وثائقية أو روائية تستمد مادتها مما ذكرنا سلفا.. فنجد الصراع على القيادة نموذجا شريط «تيزا» لعميد السينمائيين الإثيوبيين هيلي جيريما الفائز بجائزة لجنة التحكيم للدورة الثانية عشر لمهرجان السينما الإفريقية بخريبكة لسنة 2009 ، المجاعة والهجرات الجماعية للسكان نموذجا شريط «الحمل» ضمن مسابقة الدورة التاسعة عشر لمهرجان السينما الإفريقية بخريبكة، أو مواضيع المشاكل الحدودية، و مشكل الهجرة أو التهجير من والى السعودية الإشكال الاجتماعي الذي تخصصت فيه السينمائية (يمرات نيكوسي) أو مشكل الاندماج بالمجتمع الأصل بعد العودة من أوربية نموذجا شريط «تبئير» من إخراج دانييل نيكاتو، بالإضافة إلى مواضيع أخرى وأهمها: الأمراض المتنقلة جنسيا، والمثلية والزواج المبكر المواضيع التي قاربتها المخرجة ادانيش ادماسو ..
إذن نحن أمام سينما أو بالأحرى تجارب سينمائية كانت انطلاقتها خلال الخمسين سنة الماضية، التي نجهل لحد الآن مضامينها وأي مصير حل بأرشيفات السينما الاستعمارية، التي من المحتمل أن تكون القوات العسكرية الإيطالية قد أنجزتها مثل ما أنجزته في ليبيا .. ومع ذلك، فنحن أمام سينما تتطور ببطء تسعى بجد لتلحق الركب السينمائي عبر توحيد السينمائيين والسينمائيات فيما بينهم.. ، لأن أي حديث عن الصناعة السينمائية هناك هو شيء سابق لأوانه، باعتبار أنها سينما في حاجة للدعم والمساندة من طرف سينمائيي العالم عبر تنظيم مهرجانات سينمائية تمكن من التقاء مع السينمائيين والمنتجين والموزعين حسب قول دانييل نيكاتو.
فالصناعة السينمائية بإثيوبيا لم تعرف أشرطة السيلوليود، ويتم حاليا الاشتغال بالأجهزة الرقمية.. والإنتاج السينمائي مضمون المردودية لسوق استهلاكية مهمة، فالساكنة عددها 80 مليون مثل غيرها من الشعوب تتمسك بقيمها وتقاليدها، ولذلك فهناك ميل لمشاهدة الأعمال السينمائية الإثيوبية عبر القاعات السينمائية المتواجدة بالبلاد والتي تسمح للسينمائيين الإثيوبيين من عرض إنتاجاتهم، وان الغالب ما يشاهد هو عبارة عن أعمال مفبركة، وهي جد متوفرة عبر وسائل التوزيع الرقمي بالشبكة العنكبوتية، إنها إنتاجات سريعة الإنجاز والاستهلاك وتميل إلى التجارب «النيوليوودية» أي(الإنتاجات النيجيرية التي تنافس هوليود ونيودلهي عدديا وكذلك المداخل)، هذه السينما تعتمد على المساعدات الخارجية، فلا يوجد بها صندوق للدعم السينمائي، وتعتمد كذلك على تأطير الراغبين في ولوج هذه الصناعة الإبداعية بالخصوص على المدرسة السينمائية (النيل الأزرق)، التي تخرج منها اغلب السينمائيين والسينمائيات.. فهي توفر تكاوين في مجالات سينمائية من قبيل السيناريو، الإخراج، التصوير السينمائي، التوليف .. لا يتجاوز عدد المتكونين 30 فردا، وهذه المدرسة خلقت قناة للسينمائيين الإثيوبيين نحو العالمية عبر برنامج فتح الباب أمام صناع السينما لنسج علاقات، والبحث عن منتجين، وموزعين، والمشاركات بمهرجانات سينمائية عالمية بأوربا وأمريكا مع قطف جوائز متعددة .. وفي العاصمة
اديس ابابا
توجد اقل من عشرين قاعة عرض سينمائية .
إذن مناسبة هذا التكريم هي فرصة لتمتين أواصر التعاون ما بين صناع السينما بالمغرب ودولة إثيوبيا بهدف فتح فرص وأفاق ممكنة للتعارف ما بين السينمائيين الأثيوبيين وزملائهم في المغرب.والفرصة كذلك ستتاح لعشاق السينما والنقاد والمهتمين بالسينما الإفريقية عموما فرصة للإطلاع على تجارب سينمائية إثيوبية حديثة الإنتاج ..
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

