ترأس أمير المؤمنين الدرس الخامس من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية، والذي ألقته عزيزة الهبري، أستاذة القانون في جامعة ريتشموند سابقا، وتناولت فيه بالدرس والتحليل موضوع : «آفة الكبر في مظاهرها الحديثة»، انطلاقا من قول الله تعالى :» وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين».
وفي هذا الصدد، اعتبرت المحاضرة أن الكبر في تجلياته الحديثة ، وهو موضوع الدرس، هو إرادة العلو في الأرض، فكان ذلك منكرا لأنه يمنع صاحبه من الفرد أو من الجماعة ، على الخصوص، من الاستماع لآيات الله و اتّباعها، وهي آيات جاءت لتضع الإنسان في موقعه الصحيح في الأرض بحيث يكون متواضعا لله، مشيرة إلى أن البعد السياسي للتواضع لله تعالى على هذا الأساس هو عدم الإفساد والحرص على أداء الحقوق.
وذكرت المحاضرة، أن أوربا ومناطق آخرى كثيرة من العالم، جنت فوائد كبيرة من الحضارة الإسلامية.
وأبرزت أن المزاج الشعبي في
أمريكا
تأثر في القرن الثامن عشر بصور المستشرقين المشوهة عن الإسلام، حيث ذلك لم يمنع الآباء المؤسسين للولايات
المتحدة
من المناقشات الدستورية بهدف الاستفادة منها ، مشددة على أنه ما كان بإمكان الآباء المؤسسين للولايات
المتحدة
الوصول إلى هدفهم لولا تواضعهم الفكري أمام النتاج الحضاري لباقي
الأمم
.
وعلى الرغم من المزاج العام، فإن بعض الآباء المؤسسين قاموا بجهود جادة لتثقيف أنفسهم والتعرف على الإسلام والحضارة الإسلامية.
من جهة أخرى، أشارت المحاضرة إلى أن الموقف المتكبر والرافض للحضارات الأخرى يجهل تاريخ الدستور الأمريكي ومبدأ تداول الحضارات، ويجهل حتى مفهوم البيعة كما شرحه علماء الإسلام كالماوردي وابن خلدون وغيرهما، فيغلق باب التعارف وفوائده ويفتح أبواب الصراع على مصراعيه.
وأبرزت أن ميثاق
المدينة
الذي أبرمه الرسول صلى الله عليه وسلم مع أهل
المدينة
بمختلف قبائلها المسلمة واليهودية ، وحدد فيه حقوق وواجبات هذه القبائل وضمهم في مجتمع واحد متآخ ، مثل أقدم نموذج فيدرالي للحكم ، وقد حفظ هذا الميثاق لكل قبيلة دينها وعاداتها وعلاقاتها الداخلية .
وذكرت بأن البعد الفيدرالي للميثاق يظهر في أمور الدفاع المشترك عن الدولة، وفي إفشاء السلم ، كما هو الحال في ديباجة الدستور الأمريكي الذي يشير إلى أمور الدفاع المشترك بين
الولايات
والاستقرار الداخلي.
وبالرغم من أن التعصب الديني كان هو القاعدة قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة ، فقد أكد ميثاق
المدينة
أن اليهود الذين كانوا طرفا فيها هم جزء من المجتمع ، وأمة واحدة مع المسلمين من دون الناس، وأن «لكل منهم دينهم».
وذكرت المحاضرة بأن المسلمين اليوم على اعتاب نهضة جديدة «قد نسرعها أو نؤخرها بخياراتنا ، وقد لا تكون بشائر هذه النهضة واضحة للعيان في ظل تصاعد العنف والدمار»، مشيرة إلى أن «مشاكلنا ليست خارجية أو أجنبية فقط وإنما هي توجد في عقر دارنا وعلينا الاختيار».
وتساءلت المحاضرة «هل نعتنق مذهب إيزابيل المتكبر والرافض لإنسانية الحضارات الأخرى،أم نعود إلى قيمنا القرآنية الإنسانية ونطبقها في حياتنا فنختار التعارف والتواضع الاستراتيجي بدلا من الكبر والازدراء والجاه».
وفي هذا الصدد، أكدت الباحثة أن العالم اليوم يتخبط في ثنايا «الموجة الثالثة أو الثورة التكنولوجية الثالثة التي تتطور بسرعة خاطفة فتغير حتى طرقنا العادية في التفكير ورؤية العالم والحصول على المعلومات».
لذلك، لاحظت المحاضرة أن القرن 21 يختلف عن القرن الماضي أكثر مما اختلف المجتمع الصناعي عن المجتمع الزراعي، فتغيراته أسرع وإمكانياته أكبر كما تبرهن على ذلك الانترنيت ومواقع التواصل الاجتماعي التي لعبت مؤخرا دورا هاما في تقويض استقرار بعض المجتمعات والدول.
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

