عهد الملك الحسن الثاني كان عهد ملكية سلطوية تتزاوج فيها صورة الحاكم مع صورة الإمام، إنه أمير المؤمنين الذي يترسخ في قلب الزمن كسلطة دينية في سياق تنتقد فيه الحركات الإسلامية الناشئة النظام وتدعو إلى قيام »خلافة ثانية«.
أما الأحزاب السياسية العلمانية التي كانت في السابق ترفض هذا الجانب من السلطة، وترى فيه علامة على »استبداد قروسطي» بدأت تعترف به بل وتدافع عنه بقوة على أمل ضمان تمدين الحقل السياسي الحزبي. إن هيمنة الملك على الحقل الديني والذي يتوخى عزل القوى السياسية الإسلامية المعارضة يقود بالضرورة إلى تثبيت وتقوية وضع الملك كأمير للمؤمنين.
ملك وأمير المؤمنين هما وجهان للملك كما أعاد بناءها الملك الحسن الثاني في مغرب ما بعد الاستعمار، وتتجسد إن رمزيا على مستوى اللباس من خلال ارتداء البزة العسكرية أو اللباس الأوربي من جهة، والجلباب والطربوش (الفاسي) من جهة ثانية، وهنا تكمن خصوصية الملكية المغربية. وهذا الكتاب يحاول تتبع نشأة هذه الملكية كما أعاد الملك الحسن الثاني ابتكارها…
الزاوية، كفاعل ديني وسياسي رئيسي في المغرب ما قبل الاستعمار، تغير دورها السياسي كليا مع الاستعمار ثم مع الدولة الوطنية، فالزاوية التي كانت مستقلة ونشيطة في الساحة السياسية في المغرب التقليدي، تحولت إلى فاعل ديني سلبي وتابع للدولة الاستعمارية أولا تم الدولة الوطنية بعد ذلك، فالزاوية غير فاعلة في الساحة السياسية الحالية. ولا يقتصر دورها في هذا المجال سوى بالتعبير عن ولائها التام للملكية.
واليوم التصوف يشكل جزءا من العقيدة الدينية الرسمية للدولة بنفس مستوى المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية. وهذه المكونات الثلاث للممارسة الدينية بالمغرب. تترجم الاختيار الحاسم للمغاربة. فالعقيدة الشاعرية والمذهب المالكي والتصوف، جزء من الهوية الثقافية والاجتماعية للمجتمع المغربي« (بوابة وزارة الأوقاف).
ويبدو أن الزاوية كبنية للتأطير الاجتماعي الديني، فقدت النفوذ الذي كانت تمتلكه في المجتمع المغربي التقليدي. وحسب معطيات لدراسة سوسيولوجية دينية، فقط 0,6 في المئة من المغاربة اليوم من أتباع طريقة من الطرق الصوفية و0,9في المئة أعضاء من الزاوية. ويتعلق الأمر هنا بتغيير ديني ملحوظ عرفه المجتمع المغربي خلال القرن 20.
وإذا كانت الزوايا قد خسرت ثقلها الماضي الذي كان يجعل منها بنية للتأطير الاجتماعي الديني داخل المجتمع المغربي. فإن تقديس الأولياء والصالحين حافظ على نوع من التواجد والنفوذ داخل الإسلام الشعبي للمغاربة حيث إن %32,50 من المغاربة، حسب نفس الدراسة، يؤيدون زيارة الأولياء بينما %56 يعلنون أنهم يرفضون هذه الزيارة.
وأنشطة الزوايا، التي أصبحت تقتصر على الجوانب الدينية تتحكم فيها كليا السلطات العمومية. من جانبه يحتفظ القصر بروابط رمزية مع بعض العائلات الضريحية الكبرى (الشرقاويين، الكتانيين، الوزانيين، الناصريين، العلميين، الخ) ويبدي رعايته تجاه الرموز الكبرى للأولياء في المغرب، لا سيما حضور وفود رسمية وممثلين شخصيين للملك في المواسم السنوية المنظمة داخل مقرات بعض الزوايا، وأيضا عبر الهدايا والهبات الملكية التي تتلقاها باستمرار كبريات عائلات الأولياء، أو من خلال زيارات الملك لأضرحة الرموز الكبرى للتصوف، والأولياء في المغرب وبالأخص من خلال تعيين شيوخ الزوايا.
ويندرج الوضع الديني والدور السياسي للزاوية البوتشيشية التي تحظى بشعبية كبيرة اليوم، خاصة في الأوساط الميسورة، يندرج في هذا الإطار ولا يقدم أي خصوصية، لا من حيث الوضع السياسي للزاوية ولا من حيث الدور الموكول لها من طرف القصر.
والزاوية البوتشيشية تقف وراء نوع من الانتعاش للأضرحة بالمغرب، وتقع في مداغ شرق المغرب على بعد مئات الكيلومترات عن
الرباط
. ويعد أتباعها اليوم بالآلاف عبر مجموع التراب الوطني وحتى في الخارج، لاسيما في أوربا.
قبل الحماية كان البوتشيشيون قيمين على
تدبير زاوية قادرية صغيرة في شرق المغرب قرب مدينة
وجدة
، وتميز مولاي المختار دفين هذه الزاوية بمقاومته للدخول الفرنسي للمغرب، عمل خليفته، سيدي بومدين، على تجديد الطريقة البوتشيشية، مما سمح لها أن تصبح طريقة مستقلة. بعد استقلال المغرب، ستعرف الطريقة البوتشيشية مع الشيخ مولاي العباس، خليفة سيدي بومدين وابن مولاي المختار، تجديدا وتطورا لافتا لاسيما في كبريات مدن المغرب وفي الأوساط المتعلمة، والشيخ عبد السلام ياسين من منتسبي هذه الزاوية، كان تلميذا للشيخ مولاي العباسي، يتحدث عن تأثير شيخه مولاي العباس على مساره الشخصي بالقول: «التقيت رجلا.. أجلسني وسط جماعة من المسلمين كان من ضمنهم الحرفي والعاطل، أجلسني وسط جماعة من الفقراء بينما كنت واحدا ممن يسكنون الفيلات، وأحد كبار موظفي الإدارة (…) كان ذلك أزمة روحية من يعرفوني يخلطونها بمرض نفسي.. وعندما بعث لي الله شيخا صوفيا أجبته وتبعته، شاع الخبر أنني أصبحت صوفيا وأحمقا» كان ذلك بداية «نوم صوفي دام ست سنوات وخلالها أعدت قراءة القرآن الكريم والسنة النبوية بقلب جديد» وأذكى موت الشيخ مولاي العباس لدي تلميذه عبد السلام ياسين طموح خلافته على رأس الطريقة، لكن عائلة الأستاذ قررت غير ذلك. كان ذلك ،حسب بعض أتباع الزاوية، السبب في الخلاف ثم الانفصال بين الإسلامي ياسين والطريقة البوتشيشية.
أما الشيخ ياسين فيرجع سبب هذا الانفصال إلى الانحرافات التي لاحظها في الممارسة الطرقية. يقول ياسين «الحقيقة. وجدتها عند الصوفيين» لكنه يوضح أنه وجد هذه الحقيقة «معلقة في تقاليد وعادات، في رقصات وتفاهات». أخطر من ذلك، يتهم عبد السلام ياسين الزاوية البوتشيشية بأنها «انحرفت عن طريقها بعد وفاة شيخها واستسلمت لفساد رجال النظام السياسي» ويضيف وهو يصف مسلسل فساد الزاوية البوتشيشية،» قبل وفاة الشيخ، نصحني بالبقاء إلى جانب ابنه وخليفته الذي ارتبطت به، طيلة 9 سنوات، عشت ميلاد الفساد بين إخواني الصوفيين الصادقين، وهكذا فهمت كيف يصل هؤلاء إلى حد كراهية الموت وحب هذه الدنيا الفانية وكيف أن دعوة صادقة تتحول إلى فخ ملغوم رغم حسن نية وصدق الشيخ وإيمانه، وكما عرفته فإن شيخي رجل خير وإيمان.. لكن عناصر من محيطه زاغوا به عن طريقه، هو الرجل الذي ليس سوى إنسان ضعيف مثل جميع الناس، حتى يجعلوا منه رمزا نرفعه، ومن زاويته مكانا للاستهلاك بينما كانت ملاذا للفقراء.
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

