لا حديث يعلو هذه الأيام حول ميثاق المسؤولية الذي وقع عليه مديرو الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين والمديرون الإقليميون للوزارة ، الذي اعتبرته الوزارة بمثابة تعاقد أخلاقي وإداري بينها الوزارة وبين المسؤولين الجهويين والإقليميين، بحيث يحدد مجموعة من المبادئ والقواعد الأخلاقية المهنية التي يتعين عليهم التقيد بها عند مزاولتهم لمهامهم. وذلك بهدف تكريس مبادئ الحكامة الجيدة التي تسعى إلى تخليق وترشيد تدبير الشأن العام وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإلى ترسيخ ثقافة الانتماء إلى القطاع. هل بهذه الخطوة سنضع قطار التعليم الزائغ دوما على سكته في الطريق الصحيح.نن ذلك من رابع المستحيلات والأيام بيننا.
وبعيدا عن الأسباب ونتائج هذا الإجراء فإن العنوان العريض للقرار وقرارات سبقته هو مصادرة الحكومة الحالية كل التراكمات والخبرات والحقوق، والإخلال باستمرارية المشاريع وبالسلم الاجتماعي وأسقطت الساحة التعليمية في نوع من القطيعة أوقع فاعليها في ارتجال اتخاذ القرارات، وارتباك وضبابية في تنزيلها. لماذا لم يأت التعاقد عبارة عن تعاقد إداري ملزم؟ وما ذا عن خرقه عشية توقيعه بتكليفات تشتم منها رائحة الحفاظ على المنصب مستقبلا وتغيب مبدأ تكافؤ الفرص؟ لماذا لم تتم تحريك مسطرة المسؤولية التقصيرية ضد من تم إعفاؤهم؟ الأمور جد واضحة ولا يمكن “إخفاء ضوء الشمس بالغربال”، الإشكال يتعلق بسياسة التعليم في المغرب وجودته، وبإنتاج أطر مكونة تكوينا جيدا، والتفكير بشكل عميق في إصلاح شامل تشرك فيه جميع المكونات، وضرورة الإسراع بإخراج النظام الأساسي للمشتغلين بالقطاع ، مع التعامل الجدي مع التقرير الأخير للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الذي أقر على أن ما تحقق في الواقع لا يرقى إلى مستوى الجهود المبذولة من طرف الدولة، وعدم الالتزام في التطبيق الصارم لمخططات العمل وضعف الالتقائية بين مختلف المتدخلين، وعدم إمداد المصالح الخارجية بالاعتمادات اللازمة للانخراط في دينامية المبادرة الوطنية للتنمية البشرية على المستوى المحلي، مما أدى إلى تفاقم أوجه اللامساواة في الولوج غير المنصف لخدمات التربية وعدم تحقيق العديد من أهداف الألفية في التعليم الأولي وتعميم التمدرس والاستمرار في الدراسة… هذا تشخيص واقعي ولا بد من اعتباره في خطط العمل ، عوض البحث عن شماعة تعلق عليها الإخفاقات. تدبير المسألة التربوية غير خاضع للمزاجية الشخصية أو المجموعاتية، وهذا ما أكد عليه الخطاب الملكي سنة 2013 عندما تطرق إلى أنه لا يجب تدبير القطاع بمنطق الولاية الحكومية الواحدة، وبمنطق تجاهل التراكمات والرصيد السابقين، لأن الأمر يتعلق بمستقبل وطن وأمة وليس بمستقبل فئة محدودة. أيضا عدم التسرع في إنزال المشاريع تلو المشاريع ومن دوائر متعددة مما يربك من هم موكول إليهم أمر التنفيذ والتتبع والإشراف… قطاع التعليم حسب العديد من الباحثين جد معقد، لدرجة أنه لكي نفهم المجتمع المغربي لا بد من تشريح ودراسة علمية دقيقة للمنظومة التربوية لأنها تستقطب جميع مكومات المجتمع، فمثلا في هذه المنظومة هناك الطبيب والمدرس والمحامي والفلاح والتاجر والعاطل… وبالتالي فهذا القطاع يحاول من خلال الأساتذة رصد التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالمغرب، وبهذا فهو ينطوي على عقل تاريخي مركب من كل عناصر هذه التحولات. إذن لنفهم هذا المجتمع يجب فهم طبيعة الميكانيزمات الداخلية، والتي تضم بالإضافة إلى ذلك نقطة مشتركة بين مختلف فئات المجتمع هي التلميذ، الذي حان الوقت لاعتبار مصلحته فوق كل اعتبار فعلا وليست شعارا فقط. فإذا ثبت ميثاق المسؤولية كفيل بتحقيق هذا المبتغى و أنه من الأولويات ومن الإجراءات التي ستدفع بعجلة التعليم إلى الأمام وسيعود على التلميذ بالنفع، الكل سيصفق له وسيكون معه. لكن ولحدود الساعة لم يصدر بلاغ أو بيان من جهة ما: نقابية أو جمعوية أو مهنية تبارك الإجراء.
المصدر: المحجوب ادريوش نشر في العلم

