أجمعت التدخلات التي احتضنها نقاش برنامج “عالم الكتب” لقناة “بي بي سي” عربي على هامش تنظيم فعاليات المعرض الدولي للكتاب و النشر بالدار البيضاْء يوم السبت الماضي بقاعة العربي المساري، أن المغرب كان منذ القدم، ولازال، قويا بتنوعه الثقافي وتعدده اللغوي، الذي مكنه، في ضوء تجذرهما فيه، من أن يحدث لنفسه فسيفساء فريدا من نوعه سواء على صعيد جنوبه أو شماله، شرقه أو غربه، وجعله بالتالي من أن يشكل تجربة رائدة على المستوى الٌإقليمي أو العربي .. ” الكثيرون يتمنونها في أقطار أخرى”، كما أعلن ذلك معد ومسير حلقة نقاش البرنامج الثقافي لقناة “بي بي سي” عربي، الذي استضاف في هذا السياق الشاعر و الإعلامي ياسين عدنان، الدكتور رحال مدير مركز الدراسات الصحراوية بجامعة محمد الخامس، والأستاذ عبد السلام خلفي، الباحث في الثقافة الامازيغية.. استضافة استهلها الإعلامي ياسين عدنان بالقول بأن المغاربة متعددون لغويا بطبيعتهم، بمن فيهم الامازيغيون ( تشلحيت، تريفيت، وتمازيغيت)، وبالتالي فهذا التنوع على مر التاريخ في هذه البلد كان هو الأصل، والتعدد أعطاه قيمة مضافة ولم يدخله في أي صراعات أو تطاحنات بين الأجناس المستوطنة لهذه الأرض من أجناس.. نفس المعطى ذهب إليه الباحث الأمازيغي عبد السلام خلفي الذي أكد بدوره أن التعدد اللغوي في المغرب منغرس في التاريخ القديم و الوسيط و المعاصر وكان له احتكاك مع العديد من اللغات الإفريقية و البزنطية و المصرية وغيرها ، و كان لذلك انعكاس، أيضا، على تنوع الأجناس التي استوطنت المغرب وتلاقحه مع ثقافات أخرى مجاورة.. وتعدد المكونات وتلاقح الثقافات هاته.. يعني أن البلاد، على طول تاريخها، لم تكن منغلقة على نفسها، بل كانت ملتقى الحضارات و الديانات الإسلامية و اليهودية و المسيحية و الوثنية…
وفي نقاش سؤال اللغة و الهوية قال الدكتور رحال بوبريك إن المغرب على المستوى السياسي كان كذلك متعددا بالرغم أن الاستعمار، وخصوصا الفرنسي، حاول أن يمركزه، إذ ترك هامشا ضئيلا في التعبير عن التنوع و التعدد الثقافي و اللغوي مقارنة مع ما كان سابقا.. وفي هذا السياق أضاف ياسين عدنان أن ” اللغة الجامعة” أو ” الفكرة الجامعة” هي فكرة استعمار حاربتها الحركة الوطنية بعد أن وعت خطورتها وعملت على توحيد الكل في ظل الإسلام باعتبار انه يجمعها ،، مؤكدا على أن المغرب ينبغي أن يعيش بهذا التعدد.. فيما أشار الأستاذ خلفي في هذا الصدد أن مسألة اللغة والهوية لازالت مطروحة بحدة منذ الاستعمار، فإذا كان في السابق 85 في المئة من السكان يتكلمون بالأمازيغية فهذا الرقم الآن تضاءل وأصبح 20 في المئة حسب دراسات موثقة .. وعندما تصل الأمور إلى هذه الدرجة تكون هناك مطالب.. ، وقد تفهم جلاله الملك هذا الأمر وتم ترسيم الأمازيغية كلغة رسمية التي لازالت تنتظر تفعيلها قانونيا.. حتى يعطى لها الاعتبار، على الأقل، على مستوى التدريس في التعليم العمومي، مجددا في تدخله أن الهوية المغربية متعددة، وهو ما يشكل اللحمة التي نعيشها، وعندما نقصي أي طرف من الأطراف فلا بد من أن يكون لهذا الطرف المقصي موقف، و الموقف هو إثبات حقيقة.. هذه الأخيرة أشار بصددها الدكتور رحال إلى أنها في غاية الخطورة، وعلى الدولة أن تحتضن هذا النقاش و المطالب .. من أجل أن يكون هناك توافق بين جميع المكونات و الهيئات من نقابات ومجالس لغوية وغيرها حتى تتم حماية اللغة العربية والأمازيغية.. ورأى أن السبيل الوحيد لذلك هو مأسسة هذا النقاش..، نقاش اعتبره صاحب البرنامج الثقافي التلفزيوني ” مشارف” على قناة ” الأولى”، نقاش مثقفين ومفكرين.. فقط كي يؤطروه بشكل سليم، وبالتالي لا ينحرف عن الطريق ويستغله “تجار المناسبات” ” فعندما – يقول ياسين عدنان – لا نناقش نترك الفرصة لدعاة الدارجة التي على سبيل الذكر ليست لها قواعد.. ، والدارجة المغربية هي دوارج..” ، مشيرا إلى أن الداعين إلى تبني الدارجة في المنهج التعليمي يسعون إلى إخفاء عدم معرفتهم باللغة العربية، قائلا ” ولمن يريد أن يعرف الدارجة المغربية على أصولها فليطلع على قصائد الملحون ..”ّ وخلص إلى أن اللغة العربية والأمازيغية.. تعبر عن كل هذا التعدد و التنوع الذي هو المغرب، وإذا كان الانتصار للغة العربية فهذا لا يعني أنها إقصائية للغات أخرى.. التي لن تزيد إلا غنى لهذا التعدد و التنوع بما فيها ثقافات ولغات الهجرة..
وحول تدريس الأمازيغية في التعليم العمومي قال الباحث الأمازيغي عبد السلام خلفي ” عندما نريد أن نحرق قضية نحرق أصحابها” ، فعدم تدريس الأمازيغية بالمدارس العمومية إلا في بعض المناطق رغم تسطيرها في الأجندات التعليمية، ليس قرار مثقف، بل هو قرار رجل السياسية، وبذلك اعتبر المسألة أنها ” ظلم تعليمي ثقافي” مثلما هناك ” ظلم اقتصادي معيشي.. في بعض المناطق المغربية وخصوصا الجبلية..
وفي هذا السياق أشار الدكتور رحال بوبريك إلى أن دستور 2011 نص على انفتاح المغرب على جميع اللغات..، و بالتالي فالإشكال المطروح حاليا هو أن هناك عدم تجانس بين المكونات الحكومية في ما يتعلق بمجال التدريس.. على سبيل المثال، معطيا في هذا الصدد بتناقض التصريحات بين رئيس الحكومة ووزيره في التعليم في مسالة المرسومين حول الأساتذة المتدربين وحول تدريس اللغات العلمية باللغة الفرنسية..
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

