تحولت كلمة الروائي العربي الكبير سلام إبراهيم أول أمس خلال اللقاء الثقافي الذي نظمه مركز عناية للتنمية والأعمال الاجتماعية بالمغرب، بالقاعة الكبرى للمجلس الجماعي بمراكش، إلى ما يشبه دائرة سردية سيرذاتية لأهم تفاصيل المعاناة التي عاشها الروائي رفقة زوجته الشاعرة ناهدة جاسر، حيث امتزج البعد الدرامي الواقعي باﻷبعاد الدلالية الأخرى التي تقوم عليها هيكلة كتاباته، منذ بداياته الأولى التي دأبت على قنص إبداعاته السردية في غابة القص، حيث شكلت مجموعته «سرير الرمل» عتبة إغوائية للانطلاق باتجاه تحرير قهرية الواقع بأسئلة اليقين.
وعلل الروائي سلام هذه الطفرة من كون اشتعاله على السرد الروائي مهمة عسيرة وشاقة، ولكنها يضيف «تدعوك لمغامرة أكثر التصاقا بالذات وأعمق تعبيرا عن شغفها بالانتماء للوجود».
وأضاف سلام قائلا «كان
العراق
جسرا للعبور إلى الألم. العنف المادي والمعنوي الذي تعرضت له أنا وعائلتي أغرقني في بحر ﻻ قرار له.. أوله غربة الجسد وتمزق الروح وآخره شغور منطق الهوية وانحباسه تحت طائلة العسف والجور»..
وحكى سلام قصته العجيبة مع حياة مليئة بالترحال، مغيضة بتأوهات الفتن ما ظهر منها وما بطن. وقال إنه ناضل كسياسي يساري سابق، خبر الاعتقالات وظلمات السجون من أجل تحقيق أهداف ليست بديلا عن أحلام ولا مواساة لقناعات نضالية.
وعلق سلام عن حقوقه كواحد من ضحايا القصف الكيماوي المعروف دوليا بملف الأنفال، حيث اكتشف في
الدانمارك
، منفاه الاختياري الأخير حيث يقيم هو وزوجه الشاعرة ناهدة وثلاثة من أبنائه، اكتشف صدفة أن رئتاه ﻻتشتغلان إلا بنسبة أربعين في المائة:
«إني لا أقوى على الانصياع لتبعات الزمن. فكل ما حدث يترجم جزءا من تاريخ بلادي، وقد نقلته بأمانة من خلال رواياتي وقصصي. كما أن توثيق هذه اللحظات التاريخية الحاسمة هي مهمة ثقافية بالدرجة الأولى. وسأكون منخرطا يضيف سلام في عملية تدبيرها وتصريفها».
وفي سؤال عن إحساسه وهو يشاهد عملية إعدام الرئيس صدام حسين، قال سلام:
«إن مبادئي ﻻ تسعف الذكريات المرة عن إسباغ نهمي من استراد الحق برد الفعل والاعتبار بالانتقام.. ولكنني مشفق على وطني من الخنوع والخيانة».
واحتفى الحاضرون الذين ملأوا جنبات القاعة بتجربة الروائي سلام إبراهيم بالاستمتاع للمقاربة النقدية التي قدمها الباحث الدكتور محمد تنفو، حيث أبرز أهم التقاطعات النصية في مجموعة المحتفى به القصصية» سرير الرمل»، إذ تأثثت بمساحات واعية من الدهاء الحبكي والترصيص المتاخم لتجارب الرواد في هذا المجال.
واعتبر تنفو أن تجربة سلام ذات الجرأة العالية اختيارات وتبريرات بلاغية وتيماتية، أفرزت جوانب رمزية دالة في بنائية القصة، وفي تفردها الشكلي وعمقها الإيحائي..
فيما تدبر الإعلامي والشاعر مصطفى غلمان الذي أدار فقرات اللقاء الثقافي، في كلمة عن المكرم، الجوانب الغرائبية في تجربة سلام السردية. وانبرى غلمان مستمدا روح حيوات تجربة المؤلف مصاحبا جملة من نصوصه في روايات «الحياة لحظة» و» إعدام رسام» و»الإرسي» و»في باطن الجحيم» و»حياة ثقيلة»..
وأثار رئيس مركز عناية وعضو اتحاد كتاب المغرب جملة من تفاصيل الوقائع الكارثية التي عاشها الروائي سلام في جحيم الزنازين والمعتقلات الصدامية، ملمحا إلى قدرة الكاتب اﻷبدية على استنفار الذات للكتابة، وهي العملية النفسية السيكولوجية الأصعب في تجربة ﻻ تنتهي عند التفاصيل التيماتية..
وكان الشاعر اسماعيل زويريق رئيس فرع اتحاد كتاب بمراكش قد ألقى بدوره كلمة ترحيبية في حق الروائي المحتفى به، مستجيبا كما قال لنداء الثقافة العربية، حصنا متبقيا من هويتنا الضائعة..
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

