انتقد قيدوم المسرحيين المغاربة عبد القادر البدوي مسودة مشروع قانون الفنان، التي يجري النقاش حولها داخل قبة البرلمان، في رسالة وجهها إلى كل من رئيس الحكومة ووزيري الثقافة والاتصال، ورئيس لجنة التعليم والثقافة والإعلام بمجلس النواب، وكذا رؤساء الفرق البرلمانية، يستنكر فيها الطريقة التي تمت بها صياغة هذا القانون، كما عبر عن استغرابه لعدم الأخذ برأي الرواد في هذا القانون التي يتحكم في مصير عدد من ممتهني الفنون بالمغرب، لافتا الانتباه إلى ضرورة العودة إلى مضامين الرسالة الملكية، باعتبارها أساس كل إصلاح فني، خاصة وأن الراحل الحسن الثاني، حدد فيها ركائز الارتقاء بالفن المسرحي، وسطر مجموعة الإجراءات القمينة بتحقيق نهضة مسرحية.
واعتبر الأستاذ البدوي أنه مبادرة مشروع قانون الفنان اكتست طابعا مفاجئا، “بالنظر لصبغتها الأحادية في تقرير مصير الفنان المسرحي الاحترافي ببلادنا، بدون الاستشارة معه أو الإنصات لوجهات نظره ولمطالبه”، مشيرا إلى أنها جاءت “للالتفاف على جهود مضنية وشاقة كان قد بذلها الرعيل المؤسس للمسرح الاحترافي بالمغرب”، مضيفا في رسالته التي توصلنا بنسخة منها، أنها تحمل أيضا “بعدا تآمريا” “على ذاكرة رجال المسرح الاحترافي الحقيقيين ممن أضحت أصواتهم مصدر إزعاج لممتهني ثقافة الريع والاسترزاق والزبونية والمحسوبية باسم المسرح الاحترافي المفترى عليه”، مبديا تخوفه من “هذا النهج الاستئصالي”، الذي ” لن يعمل إلا على توجيه رصاصة قاتلة لهوية المسرح الاحترافي المغربي، إبداعا وتنظيما وتأطيرا وإشعاعا.”
واعتبر الأستاد البدوي أن رسالته هاته جاءت “قصد تنبيهكم لخطورة ما يتم التخطيط له من توجهات تدجينية تمس في العمق بمصداقية الانتماء لمهنة الممارسة المسرحية الاحترافية، وتفتح الباب أمام إفراغ هذه الممارسة من نبلها الوطني، ومن عمقها الإنساني الذي زرعه الرواد المؤسسون، واحتضنته تنظيمات الحركة الوطنية التحررية، ورعته جهود الغيورين والمخلصين بمغرب ما بعد الاستقلال.”
وأوضح رائد المسرح الاحترافي المغربي ان مبادرة القانون الجاري حولها النقاش حاليا، يكتنفها “الكثير من عناصر الريبة والشك. دليل ذلك، أن هذه المبادرة قد تجاوزت حصيلة كل ما تم إنجازه في السابق من أعمال ومبادرات”. مسجلا بأسف ما تعرضت له “مجهودات مسرح البدوي الممتدة على فترات زمنية طويلة تجاوزت الستين سنة، من عناصر الاستخفاف والإقصاء والتنكر. بل إن اسم الفنان عبد القادر البدوي قد أصبح مصدر قلق للكثير من المتحكمين في صنع القرار سواء داخل وزارة الثقافة أو داخل النقابة غير الشرعية”. مستحضرا ما قام به “من مجهودات مسترسلة في إطار التنظيمات النقابية الفنية لسبعينيات القرن الماضي، وخاصة مع النقابة الوطنية لرجال المسرح، قد تم تجاوزه والسكوت عنه، وكأنه صفحة بيضاء في تاريخ الحركة المسرحية الوطنية، علما أن هذه التجربة قد اكتست الكثير من عناصر الريادة والجرأة في مقاربة إشكالات الممارسة المسرحية الاحترافية ببلادنا”.
وألمح الأستاذ البدوي إلى اختياره من طرف الملك الراحل الحسن الثاني ناطقا رسميا باسم المسرحيين المغاربة خلال لقاء جلالته بهم بالقصر الملكي يوم 28 مارس من سنة 1991، “الأمر الذي أثمر حيوية كبيرة في التحضير لعقد المناظرة الوطنية الأولى للمسرح الاحترافي بالمغرب. وقد بذلنا جهدا كبيرا في بلورة رؤى متكاملة للنهوض بالعمل المسرحي الاحترافي ببلادنا من خلال صياغتنا لتصور عام للمسرح الاحترافي بالمغرب والذي على إثره جاءت الرسالة الملكية لمحترفي المسرح بتاريخ 14 ماي من سنة 1992. فأين نحن الآن من ثمار هذه الحيوية ؟ وكيف وقع طمس كل ما تم الاتفاق حوله في المناظرة المذكورة ؟ وما هو مآل مضامين الرسالة الملكية المشار إليها و التي نعتبرها ميثاق المسرح الاحترافي بالمغرب؟ وكيف وقع الالتفاف على كل المكتسبات التي حملتها المناظرة والرسالة الملكية ؟”.
وشددت الرسالة على أن توجهات الرسالة الملكية يجب أن تظل “ميثاقا ناظما لآفاق النهوض بالمسرح المغربي، وأرضية للتأسيس لشروط الفعل المسرحي الاحترافي ووضع حدود فاصلة بينه وبين عمل الهواة أو الموظفين والمستخدمين الذين يمارسون مهنا أخرى ويتطاولون على المجال من أجل الانتساب إليه”. لافتة الانتباه إلى أن الانتماء للمسرح الاحترافي “يشترط أن لا يزاول أصحابه إلا مهنة المسرح ولا شيء غير ذلك، من دون الجمع ? بشكل قطعي ? بين هذه المهنة وأية مهنة أخرى. فالمسرح الاحترافي يظل مصدر الدخل الوحيد لممتهنيه، ومحدد هويتهم الإبداعية وانتسابهم المهني. لذلك، لا يجوز ممارسة مهنة أخرى أو الحصول على دخل آخر من قطاع وزاري آخر كيفما كانت الأسباب والمبررات، وقبل ذلك لا يجوز لمن يجمع بين المسرح ومهنة أخرى أن يتحدث باسم المسرحيين الاحترافيين ولا أن يمثلهم في إطار نقابي أو جمعوي أو ما شابه ذلك.”
وأضافت الرسالة ذاتها الوزارة الوصية إذا كانت قد اعتبرت أن “التنسيق مع النقابة غير الشرعية نوعا من الإشراك المباشر لرجال و نساء المسرح الاحترافي، فالأمر يظل مكتنفا بنوايا تآمرية فاقعة، مادامت النقابة غير الشرعية لا تمثل إلا نفسها، ومادامت قطاعات عريضة من ممارسي المسرح الاحترافي ببلادنا قد احتفظت لنفسها بمسافات واسعة عن كل ما يمت لهذه النقابة الغير الشرعية بصلة. باختصار، هي نقابة تفتقد للشرعية، مادامت لا تمثل الفنانين المحترفين الحقيقيين، ومادام المتحكمون في دهاليز النقابة المزعومة هم مجرد مستشارين أو موظفين بالوزارة أو موظفين أشباح، ظل هاجسهم الأساسي ينحصر في تدعيم امتيازاتهم العينية ومصالحهم المادية المباشرة.”
وطالبت الرسالة بضرورة “إعادة المشروع المقدم للبرلمان إلى مساره الطبيعي داخل دهاليز الوزارة الوصية و الرجوع لمضامين الرسالة الملكية لأنها ميثاق المسرحيين المحترفين، و البحث عن آلية لإشراك كل الرموز و المحترفين، بعيدا عن منطق الإقصاء وعن نزوعات التآمر وعن خلفيات الأحقاد الشخصية. فالأمر أكبر من كل هذه السقطات، وأسمى من أن ينتهي بين يدي تجار المناسبات وانتهازيي فرص الزمن الضائع وفرانكفونيي المرحلة”.
وتطالب الرسالة بضرورة “إيقاف العبث المستشري داخل دواليب عمل الوزارة والنقابة الغير الشرعية، ومن أجل بلورة رؤية بديلة بإشراك جميع الأصوات الغيورة. ومن جهتنا، فإننا على أتم الاستعداد لتحمل مسؤولياتنا، مثلما عهدتمونا دائما، للعمل داخل الإطار العام الذي يستثمر الإنجازات والتجارب السابقة، من أجل استشراف المستقبل، ومن أجل إيقاف زحف آلة التردي والفساد والجحود التي أضحت تنخر جسد الممارسة المسرحية الاحترافية الوطنية.”
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

