تشكل ظاهرة الأقسام المشتركة والمتعددة المستويات بالعالم القروي اليوم الحالة العامة لجميع المدارس العمومية الابتدائية اذ يبقى القسم «العادي» هو الاستثناء والحالة الخاصة وبالتالي فهي إشكالية كبيرة تعاني منها المؤسسة التعليمية الابتدائية بالعالم القروي.
عرفت هذه الظاهرة في السنوات الأخيرة، انتشارا كاسحا، و في كثير من الجماعات القروية،تجاوزت النسبة 75 بالمائة من الأقسام. كما أن نسبتها على المستوى الوطني، أكبر مما يصرح به دائما في مختلف المناسبات، و لأن الخريطة التربوية الخاصة بالمؤسسات التعليمية الابتدائية،بأغلب النيابات، لا تستقر على حال، فمنذ الأسابيع الأولى من السنة الدراسية تبدأعملية توسيع رقعة الأقسام المشتركة والمتعددة المستويات وتقليص مجال الأقسام وحيدة المستوى بفعل عملية تقليص البنية وضم الأقسام لحل إشكالية الشح في الموارد البشرية، وتلبية للرخص المرضية ورخص الولادة… هذه العملية لا تتوقف إلا والسنة الدراسية على مشارف الانتهاء، بفعل ما أصبح شائعا من عمليات ضم المستويات الدراسية الناتجة عن مسلسل التكليفات التي غالبا ما لا يحكمها أي هاجس تربوي، وتكون من الوسط القروي نحو المجال الحضري أو شبه الحضري، على حساب مكتسبات الصغار القرويين .إن تجاهل هذه الظاهرة والتستر عنها، من طرف الجهات المسؤولة عن هذا القطاع، لا سيما منذ مطلع القرن الحالي الذي يؤرخ للإصلاح الأخير لمنظومة التربية والتكوين، وكأنها طفل غير شرعي للمدرسة المغربية القروية،والتي ما فتئت تتوسع رقعتها حتى شملت جل المدارس المركزية وتضخمت لتلتهم أكثر من مستويين دراسيين في أغلب الفرعيات المدرسية:( 1+2+3 او 3+4+5 أو 3456 أو السلسلة من 1 إلى 6…)، وعدم تشجيع البحث والدراسة في هذا الموضوع طلبا لتذليل صعوبات الاشتغال به، و التي تعترض أطراف العملية التعليمية التعلمية… جعلنا نثير انتباه الوزارة الوصية وجميع الفاعلين التربويين. ونعلن ان هذه الظاهرة التي فرضت نفسها على دول العالم برمتها وليس المغرب وحده لها من الايجابيات والسلبيات ما يبرر وجودها وبالتالي لابد من الوعي بذلك والإيمان بأنها شر لابد منه, او انها امتياز ينبغي استثماره بشكل ايجابي. وبالتالي النظر إلى النصف الآخر من الكأس والتعامل معها بكل جدية كما كان الفقيه يتعامل مع تلاميذته في المسيد, فمن بين الايجابيات والمزايا لهذه الأقسام وخاصة بالنسبة للمتعلمين نجد:
عدد قليل من المتعلمين, مما يجعلهم يستفيدون من وقت اكبر في القراءة والكتابة والتعلم؛مراجعة واعادة للدروس بالنسبة للمتكررين وبالتالي دعم لتعلماتهم؛خلق منافسة بين مختلف المستويات؛ارتياح جيد بالنسبة للمتعلمين وهم يكتشفون برامج ومقررات المستويات العليا والاخرى؛هامش كبير للاشتغال الفردي والاستقلالية وللمشاركة الجماعية لجميع المتعلمين؛عدم تجانس القسم المشترك يشكل مرجعية اجتماعية للمتعلم وبالتالي استمرارية للحياة العادية كما في الدوار او القرية؛ابراز الصراع المعرفي بشكل كبير وبالتالي المساعدة على بناء التعلمات؛الاكتشاف الضمني لتدرج البرنامج الدراسي من طرف المدرس وكذا التلميذ عبر المستويات و اهمية تسلسله خلال البناء؛
إن ظاهرة الأقسام المشتركة وإن كانت تطرح بعض الصعوبات على مستوى التعامل المنهجي، فهي تجسد اهمية ضمان حق التمدرس للجميع، وتقريب المدرسة من روادها بالقرية على قلتهم أحيانا بسبب التشتت السكاني؛كما ان توفير المدرسة في الوسط القروي ضمان لتمدرس الأطفال قرب عائلاتهم؛التقليص من الهجرة إلى الحواضر من أجل تدريس الأبناء، والتقليص من مصاريف دراستهم بتقريب المؤسسة التعليمية منهم. ودفعهم إلى التشبث بأراضيهم والاستقرار فيها وخدمتها؛…الخ
ومن البديهي جدا ان يستاء المدرس من التعامل مع هذه الظاهرة نظرا لمحدودية مرجعيته ولغياب تكوين أساس و مستمر ولغياب منهاج خاص لهذه الاقسام وكذلك لبناء مشروعه التربوي على منطق القسم العادي ، كما ان مجال الابداع التربوي في هذا المجال رهين بكفايات وقدرات المدرس و العمل على ايجاد حل للوضعية المشكلة التي يتواجد فيها. فطبيعي جدا ان يعيش الأستاذ اكراهات شتى على مستوى تدبير الزمن و تدبير المحتوى و تدبير الفضاء وكذلك تدبير الصراع المعرفي، هذا في غياب ادنى الشروط والوسائل المادية … لكن تمركز جل الممارسات التربوية والتدبيرية على ظروف الأستاذ وظروف تمرير المعرفة هو في نظرنا الخلل الكبير وبالتالي تجاهل ظروف المتعلم والمحيط الذي يوجد فيه ، مما سيجعل العمل التربوي سواء في القسم « العادي» (رغم انه ايضا يمتاز بفروقات فردية كبيرة بين المتعلمين) او المشترك يشكل دائما صعوبة لان الانطلاقة غير صحيحة…
وفي انتظار تجسيد و تقوية مشروع المدارس الجماعاتية والذي يشكل البنية الأساسية لمحاربة ظاهرة الأقسام المشتركة والرجوع الى سياسة تقريب السكان الى المدرسة عكس السياسة المتبعة حاليا و في السابق و بمنطق تقريب المدرسة الى السكان ، فان الامر يقتضي الاشتغال على ثلاث محاور أساسية هي:
– الاعتراف الرسمي بظاهرة الأقسام المشتركة وبالتالي القيام بدراسات ميدانية واقعية تعكس الوضع بشكل صحيح -التركيز على التكوين الأساس والمستمر للفاعلين التربويين وخاصة المدرسين والطلبة داخل المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين مع ضرورة التركيز على تغيير النية والكبدة على القسم العادي؛
– إنتاج برامج ومناهج خاصة للأقسام المشتركة، وتوفير كل الدلائل والتوجيهات الأساسية لتدبير هذه الأقسام.
باحث التربوي
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

