في انطلاقتك المسائية العادية التي لا تقوى على الذهاب بك بعيداً،
تمر بكثيرين يرونك ولا تراهم ، بل ويغبطونك لأسباب لا دراية لك بها،
وتعبر منعطفات غير محدودة ، وتنزل وتصعد، عير مهتمٍّ بشيء
أكثر من شغفك بعد خطواتك ومقارنتها بطول أحجام قطع الحجارة المستطيلة أو المربعة التي تطفر خطاك فوقها أو إلى جانبها.
الذين يرونك ، وهم يمرُّون مزهوين بسياراتهم ولا تراهم ، أو تحسب بعض ما حسِبوه وهم يؤدون أثمنة ما يركبونه،
يشتد غيظهم، اشتداد غيظ فاتنة لا يهتم الناس بلون فستانها، قدر افتتانهم بروعة جسدها الفارع ،
يمر بك أيضاً السيد عبد الغابر على الجهة الأخرى من الطريق وهو يختفي في عباءة لا تكاد تستر كامل هيكله العظمي: فعيناه اللتان لا تكاد تراهما عن بعد فارغتان ، ورغم ذلك فهو يبدو كما لو أنه يوجههما نحوك رافعاً يده بالتحية ، فتفغر فاك مشدوها وأنت تتساءل: بمَ تُراه يراني؟ فيحسب أنك تفتح فمك للردِّ على تحيته. فيغذ السير في ظلمته فرحاً جذلانا.
لا يكاد يختفي حتى يدهمك عبدُ الآجل ، في حركة لا تكاد تسمع صوتها ، إلا بعد أن ترى جسداُ هائلاً يتقدمك، وهو يختفي شبيه ومضة برقٍ في أعالي البعيد البعيد.
وترتفع أمامك أصواتُ كل ما يحيط بك من جمادات ونباتات وطيور من نوع ما يتأخر في الذهاب إلى وُكناته قبل أن يجن الليل،
و كلها تسائلك : ما الذي أوقف خطاك أيها المُمسك دون سواك بتلابيب عابرة تستبقيها ، بينا تُمعن في الانسلال من قبضتك،
ماذا يستطيع عبد العابر أن يقبض من ماء جارٍ لا يعرف حنيناً لنبع ، أو يدرك تعبَ سفرٍ إلى المجهول؟
كان عبد الغابر يراك من حيث لا تراه ، ضاحكاً منتطراً وصولك، وقد بدا واقفاً على أقرب رابية، فاتحاً ذراعيه في ظلمة المساء الأولى مثل صليب.
شفشاون
في : 15/12/2015
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

