ليست
الجزائر
وحدها من هي في حداد برحيل ابنها الكبير الحسين آيت أحمد، بل كل المغرب العربي، وفي مقدمته المغرب. لأن الفقدان واحد في
الرباط
كما في
الجزائر
العاصمة، في تيزي وزو كما في أعالي الأطلس الكبير، لأننا فقدنا مغاربيا أصيلا من عيار نادر، وفقدنا وطنيا من طينة الكبار. أولئك الذين لا يجود الزمان بأمثالهم، سوى في دورات انعطاف امتحانات تاريخية. وفقدنا فيه صديقا مخلصا للمغرب وأهله، الذي جعلتنا سيرته نوقن دوما أن قدرنا واحد، وأن وشائج علاقاتنا المغربية
الجزائرية
أعمق وأرسخ من أن تهزها ريح حسابات سياسية قطرية ضيقة. وليس مفاجئا، أنه كان واردا جدا أن يدفن في تراب المغرب، التي هي عنده مثل تراب
الجزائر
. تربة المغرب، التي يرقد فيها منذ سنوات شقيقه وشقيقته.
الحسين آيت أحمد، مؤسسة قائمة الذات لوحده، وعنوان عن معنى ما يمكن أن تهبه الوطنية من رجال، وأن تهبه بلاد المغارب من قادة أفذاذ. لأن الرجل الذي ركب الصعب من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية، منذ الأربعينات من القرن الماضي، قبل وبعد انخراطه في حزب الشعب
الجزائري
الذي كان يتزعمه الزعيم
الجزائري
مصالي الحاج، قد بقي صفصافة باسقة، مثل تلك التي في أعالي جبال تيزي وزو
الجزائرية
، لم تنحن جبهته أبدا أمام عواصف التحديات الخطيرة التي واجهها في طريق تحقيق حلمه الوطني ذاك، حتى لقي ربه. لقد كان في أول خط النار حين انطلقت الثورة
الجزائرية
في بداية الخمسينات، هو الذي كان أصلا من أول الخلايا التي نفذت عمليات فدائية إلى جانب رفاقه أحمد بنبلة ومحمد خيضر ومحمد بوضياف، ضد مركز البريد بوهران. وحين تأسست حكومة المنفى كان عضوا فيها، مثلما كان من القادة الخمسة الذين اختطفت
باريس
في إرهاب دولة، الطائرة التي كانت تقلهم من
الرباط
صوب العاصمة
تونس
، لحضور أول قمة مغاربية كان مفروضا أن يحضرها الملك الوطني محمد الخامس والرئيس
التونسي
الحبيب بورقيبة وقادة الثورة
الجزائرية
. وكانت له شجاعة أن يعلن منذ سنوات، في شهادة للتاريخ والإنصاف، لها معنى خاص حين تأتي منه هو بالضبط ومن
الجزائر
الشقيقة، أن الملك الراحل الحسن الثاني لا علاقة له أبدا بعملية اختطاف تلك الطائرة.
لقد بقيت الصفصافة الحسين آيت أحمد واقفة تنادي بحق المغاربيين في دول الحقوق والمؤسسات والتعدد الحزبي والنزاهة الديمقراطية، وبقي موقفه ذاك سببا في أن تطاله أداة القمع والاعتقال والنفي في بلده
الجزائر
، وكان المقام الطويل للمنفى في
جنيف
السويسرية. هو الذي رغم كل الإساءة التي لحقته ولحقت رفاقه بجبهة القوى الاشتراكية، كان دوما يبادر بروح الكبار لتقديم سبل الحل والإنقاذ لبلده
الجزائر
. بدليل ما قام به في لقاء أوجيديو الإيطالي في التسعينات السوداء
بالجزائر
الشقيقة، لجمع الكلمة الوطنية
الجزائرية
، باختلاف العائلات السياسية هناك، من أجل حماية سقف يعلو ولا يُعلى عليه، اسمه
الجزائر
الوطن والبلد والناس والثروة والتاريخ. وللأسف خان البعض من قادة
الجزائر
حينها ذكاء يمثل عمق المبادرة وأهميتها التاريخية، التي كانت ستكون ربحا ليست للجزائر الشقيقة، بل لكل المغرب العربي. ولم يتردد الرجل في مناسبات متعددة، أن ينوه بالتطورات المسجلة في المغرب سياسيا، منذ نهاية التسعينات، معتبرا أنها مكسب ليس للمغرب والمغاربة، بل لكل المغاربيين.
الملمح الآخر، الذي ترمز إليه شخصية الحسين آيت أحمد، أنه وهو من تيزي وزو، لم يكن أبدا يقامر بالمصلحة العليا لبلده
الجزائر
من بوابة القضية القبايلية، التي كان يحسن لوحده التمييز فيها بين الحقوق الثقافية والاجتماعية لأهل القبايل وبين وحدة الوطن
الجزائر
. فكان يرى للمستقبل من موقع الإنصاف ومن موقع البناء، لا من موقع الانغلاق والتدمير. وهنا كان مرة أخرى رجل دولة.
وداعا أيها الرجل الكبير، صفصافة الأعالي
بالجزائر
الشقيقة، ستبقى نبراسا لنا في كامل المغرب العربي، وستبقى سيرتك دفتر تحملات نهتدي به دوما في فضائنا الممتد هذا من
الدار
البيضاء
حتى
بنغازي
، عن معنى ما يشكله رجال من طينتك، في المغرب كما في
الجزائر
، من منارات نهتدي بها دوما من أجل حقنا المغاربي المشترك في الأمن والتكتل والتكامل وربح تحديات المستقبل. ستبقى سيرتك كما كانت دوما عنوانا للأمل. شكرا للجزائر التي أنجبتك ورحمك الله عليك رحمة واسعة.
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

