1
غير خاف أن مفهوم الثقافة تعدد وتشعب ، بتعدد المرجعيات وزوايا النظر. وهو بذلك يقتضي استحضار تعالقاته بالسياقات التاريخية والمرحلية . لأن الثقافة تنمو بدورها داخل البيئات الاجتماعية ، معبرة عن التجذر على الأرض ، في تعبير عن التطلعات والأحلام…بهذا ، فكل أشكال التعبير والحياة تتخذ معناها من داخل الثقافة . وبالتالي ، فلا بد من ذاك الترابط بين العادات والأحداث والقيم والمعرفة…لتشكيل « كل « ينبض من الداخل ، ويجهس بالانتماء والرؤيا للحياة والوجود . وفي المقابل ، فتعدد الثقافات ، يشي عن قرب ، بتعدد أشكال الحياة وتعدد أسئلة الوجود . .
وعليه ، يمكن الحديث عن احتكاك بين الثقافات ، محكوم بالنوايا الإيديولوجية ، نظرا للمؤثرات السياسية والاقتصادية التي تسعى إلى تبليغ الثقافي كنموذج ، تهدف القوى المتقدمة إلى فرضه ، قصد التنميط والتأثير على الهويات الثقافية . وهو ما يثبت في ظل التعولم المتعدد الأشكال والألوان ، أن القوى التي تسوق العولمة ، تفعل ذلك استنادا إلى آليات وبنيات اقتصادية على الأرض ، تسعى إلى نمذجة ثقافية ، تعلي بكيفية شعورية أو لاشعورية من قيم الاستهلاك ؛ حتى يتأتى إفراغ الرسائل الثقافية أو الهويات من محتوياتها المتجذرة في المكان والزمان كمعنى وطريقة مخصوصة ، بعيدا عن الانغلاق الذي لا يفضي إلا لنفسه .
في هذه الحالة ، يغلب الظن أن التصنيفات الداخلية ، من قبيل ثقافة عالمة وأخرى شعبية ، أو المكتوب والشفوي ، ثقافة منغلقة وأخرى منفتحة؛ غدا الأمر متجاوزا بقوة التاريخ والتحول الإنساني . ليغدو الأمر في المكان والزمان المقطع كبلد أو أمة …يتعلق بشكل ثقافي يعبر عن طريقة في التموضع والتموقع ، تموضع متعدد الأشكال التعبيرية الطاوية عن تجذر وانوجاد في المشتركات والامتدادات.. وإذا حصل ، فلا يمكن تنميط هذا الثقافي ، لأن هذا الأخير متعدد أنساق التفكير المتجاذبة والخاضعة لمد وجزر التحولات المرحلية . ها هنا لا بد من ذاك الجدل بين الخاص والعام ، بين المحلي والانساني ؛ نظرا لصراعات لا تخلو من نوايا وتأملات لعلاقات بين
الأمم
( دينية ، اقتصادية ، سياسية …) . وفي نفس الأم، فالبساط الثقافي يخضع لتوجيهات من قبل المؤسسات التي تمتلك العدة والقرار السياسي كالدولة والحكومة ، والحزب…في هذه الوضعية ، يتعدد المجتمع المدني في توجهاته ، بل في تبعيته للإطارات السياسية مما يفقد الثقافي امتداده ودوره . فتعدد النماذج الثقافية ، يدل على تعدد المثقفين . لهذا ، فحين تطرح المسألة الثقافية للتوافق ، بناء على تشخيص موضوعي لوضعيتها ، لا بد أن تتعدد مظاهرها وأسئلتها . لكن هناك ، في تقديري ، نفس الإكراهات البنيوية التي تجعل الثقافي محاصرا وتابعا مؤجلا…وحين نفرغ الثقافة من حاستها وحسها المرتبط أساسا بالعقل والنقد ؛نكون في خدمة التسطيح الذي ينمط الثقافة ويخشبها كديكور يليق بالبهرجة والطلاء، فينتفي الإبداع والخصوصيات . وهو ما يقتضي أمام أي تشخيص، تغيير عقليات الفاعلين والتشبع بقيم الحوار والبناء الشفاف دون خلف أو اجحاف . فلا بد، من عمل ينتظر المثقف والمؤسسة الثقافية بالأساس ، قصد حضور فاعل للثقافي، وإلا ، ترك للخبط والتصريف الجزئي بلا رؤية ولا أفق.
2
يغلب ظني، أن الحديث عن امتداد الثقافي في المجتمع والحياة، لا يقتضي التسييج وتصنيف هذا الثقافي كخانة أو ميدان ، على غرار المجالات الأخرى السياسية والاقتصادية والاجتماعية …وفي المقابل، فالتغيير المنشود في التاريخ والفكر ، يتطلب التشبع بقيم التنوير والمعرفة، لإدراك مسار الخطى الفردية والجماعية ،بهدف تعبيدها في اتجاه المستقبل . في هذا المتحمل ، نتساءل : هل يمكن الحديث عن وجود ثقافي دون مثقفين ؟؟ . سؤال تفرض طرحه التحولات المتسارعة اليوم التي عرت عن الأعطاب في الأفراد والمؤسسات ، ومنهم جماعة المثقفين المتعددة والمتنوعة. لكن، لابد من استحضار هنا مفهوم المثقف الذي يستند على الاستنهاض وعدم الركون لحقائق الرأي العام المتصفة بالعموميات . وهذا يعني، أن المثقف الحقيقي يمارس وجوده المعنوي الساعي إلى تحليل غير آني، وغير موجه بما هو إيديولوجي ، تحليل مولد للأفكار والرؤى. فهذا الدور الذي يتحسس الرسالة المديدة الأثر دون مواقع أو تبادلها، يقتضي خلق تلك المسافة بين المثقف والمؤسسة بتلاوينها المختلفة. لأن للمؤسسة الرسمية أو المدنية تفسيرها الساعي إلى التكيف والمسايرة، أو النقد دون مهادنة، لأن لا وسط في الثقافة. وبالتالي، لا بد من البحث عن مثقف كلسان للتبرير، وإضفاء الشرعية أو استكمالها. مما أدى بالمثقف أو نماذج منه، إلى دخول المؤسسات دون شروط، وفي تخل عن سمات المثقف، بل أحيانا يسعى الكثير من الكتاب إلى تلميع صورهم والنفخ فيها للاستلاء. إن هذه التنازلات للمثقف عن سلطته كما يثبت صلاح بوسريف في كتابه «المثقف بين رهان المعرفة ورهانات السلطة»، أدت إلى الانخراط في اختيار السياسي . مما يؤكد أن البعض يختار المواقع ، ولا يمكن أن يحيا كوجود ثقافي خارجها ، في سعي ولو مقنع إلى الغنيمة . في حين ، فالآخر ، اختار الامتداد والحرية، لأن استقلالية المثقف التي لا تعني الانعزال والعدمية كما يتوهم الكثير، من خلال تبريرات المتزحلقين والراقصين على الحبال في الوضوح الملتبس، بل يعني ذلك استقلالية الفكرة التي تتخلق في السياقات نفسها التي تهكيل هذا الكل مللا ونحلا ، في انتصار للمبادئ التي تبقى أكبر من الشخوص و شخصنتهم للمشهد والطريق التي تفضي للأفق الإنساني ، أو تفضي عند المتربصين والمعضدين للحقائق المحشوة بالمصالح والاستباقات المكرسة لذلك ، في استغلال مفضوح للإطارات وقطيع الكتبة .
3
بناء عليه، فاستقواء الفعل الثقافي أمر هام أمام زحف الاستهلاك والاستهلاك الثقافي الفلكلوري، من خلال تنشيط الفعل القرائي والنشر في الفنون المختلفة، فضلا عن بنيات ووسائط حاضنة…فكل هذا، إذا حصل، لا يعني انخراط المثقف في المؤسسات دون برامج ولا رؤى ، وهو المتحصل؛ مما يزكي الخبط والانفتاح المجاني على الكل ، في تسطيح للملمح الثقافي الذي قد يتحول إلى فرجة وهرج، فتضيع حاسته النقدية والفكرية التي تؤسس لتحولات لا تنتهي في الفكر الإنساني، وبالتالي تجدد الرؤيا باستمرار للحياة والكون ، وبشكل طبيعي في المجتمع ، ليتحول إلى مجتمع معرفة عوض سيادة الأنساق المغلقة التي تؤدي للتناطح، نظرا للشرايين المتصلبة التي تناهض الحوار والقيم العقلانية التي تجعل كل شيء نسبيا، وفي تطور متواصل . طبعا ، لا ثقافة دون مثقفين ، وإن علا النفير.
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

