استبعد شارك باسكال لامي، الرئيس الفخري لمعهد جاك دولور، أن يعيش المغرب تغيرا أو تحولا جذريا في دينامياته بسبب التحولات التي تعرفها سواء أوربا أو محيطه المتوسطي.
وقال نائب رئيس المؤسسة الاوربية للابحاث التقدمية في الآن ذاته في حديث ليومية «الاتحاد الاشتراكي» لا أعتقد أن يكون للتحولات التي تعرفها سواء أوربا أو المحيط المتوسطي للمغرب، تأثيرات على التطورات التي تسير على نهجها
الرباط
.
وكشف باسكال لامي، الذي سبق وشغل منصب المدير العام لمنظمة التجارة العالمية حتى 1 شتنبر 2013، في حواره على هامش مشاركته في أشغال منتدى «التحالف التقدمي المنعقد في
الرباط
يومي 19 و20 نونبر2015) أن العولمة ماتزال، للأسف الكبير، بقدر ما تنخرط في خفض نسب الفقر فهي تساهم أيضا في زيادة هامش اللامساواة.
وقال باسكال لامي، الذي سبق وشغل أيضا منصب مفوض اوروبي للتجارة، أنه من الواجب تقفي خطى الأسلاف والاعتماد كما فعلوا ذلك في القرن التاسع عشر، على التحليل في معرفة القوى التكنولوجية والاقتصادية والاجتماعية التي يزخر بها العالم اليوم، والتي تعتبر أحد أسسه.
وشدد باسكال لامي، في السياق ذاته، على أن ثمة قدرة وطرق تسعف في التحكم في العولمة وتمكن من ترويضها شرط أن يتشبث، من هم في هذا العالم وبقدر أكبر وأكثر من غيرهم، بقيم العدالة والكفاءة والفعالية ولأولويات أخرى التي لن تكون إلا أولوياتنا نحن أيضا موضحا، في الآن ذاته، أنه «إذاما قمنا بذلك جميعا، أعتقد أن هناك وسيلة كي نعمل على توجيه العولمة في الاتجاه السليم».
o ما هي قراءتكم للوضع الراهن في المغرب على ضوء التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها محيطه المتوسطي؟ وهل للاعتداءات الإرهابية التي عرفتها عدد من المناطق، وكذا موجة الهجرة إلى أوربا من تأثير على المغرب؟
n لا أعتقد أن يكون للتحولات التي تعرفها سواء أوربا أو المحيط المتوسطي للمغرب، تأثيرات على التطورات التي تسير على نهجها
الرباط
. إن الجميع دون شك على بينة من الجوانب الجيدة لهذا التطور والتقدم، إذ أنه ثمة نموا بكل تأكيد، غير أنه بالمقابل نحن أيضا، في الآن ذاته، على معرفة واضحة بالمكامن السيئة فيه، ذلك أن هذا التطور والتقدم يبقى في حد ذاته نموا غير عادل للغاية. ومن وجهة النظر هاته فكل التحولات بما فيها ما عرفته أوربا من أحداث في الآونة الأخيرة لن يغير جذريا من وضعية المغرب. إننا اليوم، بكل تأكيد، نعيش في مناخ دولي متوتر أكثر فأكثر. وقد لمسنا هذا، للأسف، في بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط من قبيل
لبنان
بسبب ما عاشته من اعتداءات، وأيضا مصر مع ما حدث فيها من انفجار للطائرة الروسية في سماء شرم الشيخ، كما تابعا مؤخرا ما حدث من اعتداءات في العاصمة الفرنسية
باريس
. إن كل هذه التحولات والأحداث، في اعتقادي الخاص، من المحتمل أن يكون لها بشكل أوسع تأثير اكتئابي على الاقتصاديات، غير أنه في ما يتعلق بالمغرب لا أعتقد أن يعيش تغيرا أو تحولا جذريا في دينامياته.
o هل تعتقدون أن أوروبا تعيش اليوم خللا منظوماتي وأنه ينبغي عليها إعادة النظر في منظومتها الاقتصادية، الاجتماعية والسياسية؟
n إن القارة الأوربية اليوم تواجه عدة أزمات، فكما خبرت أوربا أزمات كثيرة في وقت مضى، فإنه ليس من المستبعد ألا تعرف أزمات أخرى في المستقبل. في الواقع، إنها ظرفية تتسم بالصعوبة لأسباب اقتصادية مردها أساسا نمو اقتصادي منخفض، وأيضا لأسباب جيوسياسية، فثمة جوار متوتر بشكل قوي بجل المحيط الأوروبي، سواء تعلق الأمر بما يجري في الشرق الأوسط، أو ما يحدث من تطورات على حدودها الشرقية. كما أن أوربا عاشت صعوبات في ما يتعلق باستضافة وتنظيم تدفق المهاجرين القادمين إليها، على وجه الخصوص، من الشرق الأوسط، غير أنه في اعتقادي، ستواجه أوروبا كل هذا، وأنها، دون شك، ستفهم تدريجيا أن الطريقة الوحيدة للتعامل مع هذه التهديدات المتعددة، والسبيل الوحيد لمواجهة هذه الصعوبات المختلفة هو العمل بشكل جماعي والقيام بذلك مع الجميع، فهكذا نرى، كل مرة، أن أوروبا تسجل تقدما ملموسا في مسار تحقيق اندماجها بالرغم من أن جزءا من الرأي العام لا يؤازرها في هذا.
o هل لديكم فكرة كيف من الممكن السمو بحال العدالة الاجتماعية في جميع أنحاء العالم، وعلى الخصوص، في بلدان العالم الثالث، من أجل الحد من الظلم واللامساواة؟
n إن ما حاولت توضيحه خلال مداخلاتي في أشغال منتدى «التحالف التقدمي، (المنعقد في
الرباط
يومي 19 و20 نونبر2015)، أن هناك بشكل أساسي أجوبة داخلية، وطنية ومحلية، لقضايا اللامساواة التي أصبحت تفرض نفسها بشكل أقوى في خضم العولمة التي يعيشها العالم. وأعتقد، على سبيل المثال، أن التعليم الذي يعتبر خير رد وجواب أساسي عن التفاوتات المتنامية، يجب أن يظل أمرا ذي طابع محلي ووطني لأنه متجذر في العادات والأعراف والتقاليد المحلية، وأيضا في البنيات الأسرية وكذا التعليمية.
غير أنه في المقابل غابت قضايا أخرى، لم يسعفنا الوقت لتدارسها، من قبيل الضريبة على الكربون أو فرض الضرائب على الشركات المتعددة الجنسيات التي يجب أن تكون ملزمة على المستوى العالمي، وأظن انه من الواجب على التقدميين الدفع بهذه القضايا باعتبارها قضايا ذات بعد عولمي. وحتى يتسنى لكل منا أن يقوم بدوره هذا، فنحن ملزمون بالعمل في إطار أجهزتنا الداخلية وهياكلنا ومؤسساتنا السياسية التي ننضوي تحت لوائها.
o أي مستقبل للقارة الأوربية التقدمية في ظل عالم معولم واكتساح الليبرالية الجديدة؟
n يمكنني القول إن العولمة في جزء منها، هي ليبيرالية جديدة وليست نيوليبيرالية، واعتقد في هذا الإطار، أنه من الواجب علينا أن نقتفى خطى أسلافنا ونعتمد، كما فعلوا ذلك في القرن التاسع عشر، على التحليل في معرفة القوى التكنولوجية والاقتصادية والاجتماعية التي يزخر بها العالم اليوم، والتي تعتبر أحد أسسه، وأن ثمة قدرة وطرق تسعف في التحكم في العولمة وتمكن من ترويضها شرط أن يتشبث، من هم في هذا العالم وبقدر أكبر وأكثر من غيرهم، بقيم العدالة والكفاءة والفعالية ولأولويات أخرى التي لن تكون إلا أولوياتنا نحن أيضا. وإذاما قمنا بذلك جميعا، أعتقد أن هناك وسيلة كي نعمل على توجيه العولمة في الاتجاه السليم. إن الأمر، بكل بساطة، لا يتطلب منا إلا العمل حول الموضوع، وهذه واحدة من الأسباب التي نشتغل من أجلها داخل «التحالف التقدمي».
o ماذا يجب فعله من أجل أن أوروبا تستدرك أمرها وتعدل مسارها نحو أوروبا أكثر إنسانية وعدلا؟
n بالنظر إليها من بعيد، تترائى لك أوروبا مجتمعا أكثر إنسانية وأكثر عدلا من معظم المجتمعات الأخرى على هذا الكوكب، بل إن القارة الأوربية هي النسخة الأكثر حضارة أو أقل تحضرا من العولمة على هذا الكوكب، إذا ما قارنا هذا العالم الأوربي، اليوم، بالولايات
المتحدة
الأمريكية
والصين
وأفريقيا وحتى
أمريكا
اللاتينية ناهيك عن
روسيا
.
لذلك فالقارة الأوربية تشكل إضافة وبالنسبة للكثيرين تمثل حلما، لذا يجب على أوروبا أن تمنح لذاتها الوسائل من أجل ضمان استمراية هذا الحلم ألا وهو الفكرة والتصور الاوربي للحضارة.
o للعولمة جوانب إيجابية وأخرى سلبية ماهي تأثيرات العولمة وفوائدها بالنسبة لمجتمعات العالم الثالث؟
n أعتقد أن مجتمعات العالم الثالث استفادت، بشكل عام، من العولمة. فقد انخفضت خلال السنوات ال20 أو 30 الماضية بشكل كبير نسب الفقر في ما يسمى بدول العالم الثالث، والتي يطلق عليها، اليوم، الكثيرون البلدان الناشئة، وهذا دليل على أن للعولمة فوائد وميزة أيضا. غير أنه، وكما نعرف ذلك بشكل واضح، ماتزال العولمة، للأسف الكبير، بقدر ما تنخرط في خفض نسب الفقر فهي تساهم أيضا في زيادة هامش اللامساواة، وأحيانا يبدو الأمر أكثر جلاء من أي مكان آخر في دول ناشئة مثل
البرازيل
وتركيا وجنوب أفريقيا، وإندونيسيا أو
الصين
والهند والمغرب.
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

