من بين الوصلات الإشهارية التحسيسية للجنة الوطنية للوقاية من حوادث السير، هناك إشهار بثه الإعلام الرسمي للفنان الكبير محمد الدرهم، الذي يدعو فيه المواطن المغربي إلى اتخاذ الحذر وتفادي استعمال الهاتف أثناء السياقة، واحترام إشارات المرور.. إلى غير ذلك من النصائح التي إن التزم بها السائقون، أكيد أن هذه النصائح ستساهم بشكل كبير في انخفاض ضحايا هذه الحوادث المميتة، في ظل ارتفاعها الآن، حيث حصدت حرب الطرق أكبر عدد من الأشخاص، وفاق عدد الضحايا هنا عدد الذين يسقطون في الحروب.
هذه المعضلة الخطيرة تتطلب ثقافة حقيقية وتربية أيضاً من أجل مجابهة هذا الداء الفتاك إن صح التعبير، ولو أن الإعلام الرسمي عوض أن ينخرط بجدية في زرع هذه الثقافة، بالإضافة إلى مكونات أخرى، نجده يتعامل معها بموسمية، الشيء الذي يجعل هذه المبادرات غير كافية، ولا تعطي أكلها بالشكل الذي يتوخاه المجتمع.
بالعودة إلى آخر وصلة إشهارية تحسيسية للجنة الوطنية للوقاية من حوادث السير التي تم فيها استعمال الفن الأغنية بالضبط للتحسيس، نجد أن مضمون الأغنية يقارن بين الطاعون والسيدا والسرطان..، وتبين هذه الوصلة أن ما تحصده حوادث السير من أرواح يفوق عدد الذين قضوا نحبهم بسبب هذه الأمراض، وهي مقارنة رأى فيها بعض ممن أصيبوا بهذه الأمراض، أنها مقارنة تنم عن رؤية غير موضوعية وعلمية، وأنها تسيء لهؤلاء المرضى، بل تبين هذه الأغنية التحسيسية، أن المصابين بالسرطان والسيدا علاجهم ميؤوس منه، هذا على الأقل ما فهمه بعض ممن أصيبوا بهذه الأمراض. والحال، يقول المعترضون على مضمون الوصلة الإشهارية للجنة الوطنية للوقاية من حوادث السير، إن هذه الأمراض مثلها مثل باقي الأمراض الأخرى، وليست بهذه الخطورة التي تسوقها الأغنية، وهو فهم خاطىء ناتج عما علق بالذهنية المغربية منذ زمن قديم، حينما كان الطب غير قادر على علاج هذه الأمراض، خاصة السرطان الذي وصف بأنه داء خبيث وقاتل، وهو الوصف الذي يزيد من معاناة المرضى ولا يشجعهم على مقاومته التي تستند أساساً إلى الجانب النفسي بدرجة كبيرة.
في هذا الصدد، يخبرنا الزميل محمد شروق في تدوينة على حائطه الفيسبوكي بالحرف: جميع مرضى السرطان الذين التقيتهم عبروا لي عن تذمرهم من الأغنية الوصلة التي يؤديها الفنان محمد الدرهم، بحثت عن رقم الدرهم واتصلت به شارحاً له بكل أدب ما خلفته أغنية من ضرر في نفوس مرضى السرطان، وقلت له، إنه في حالة استمرار بث الأغنية بنفس المضمون، سنلتجىء إلى الهيئة العليا للسمعي البصري وإلى القضاء.
والحقيقة، يضيف الأخ والزميل محمد شروق، صاحب كتاب” »أنا والسرطان”« أن الرجل عبر عن أسفه، وأكد أنه كفنان لا يمكن أن يمس مشاعر ولو مريض واحد، وأضاف أنه سيعمل كل ما في وسعه لإصلاح هذا الخطأ غير المتعمد… وانتظرنا… فغابت الأغنية عن الأنظار”..«.
هذا الكلام اللطيف والرقيق، وهذا الاعتذار »الكبير،« لا يأتي إلا من فنان كبير مثل الفنان محمد الدرهم، الذي تشهد له ثقافته الواسعة وتواضعه الكبير وخدمة الأغنية المغربية منذ عقود بعيداً عن الإسفاف. لكن السؤال الأكبر يبقى مرتبطاً باللجنة الوطنية للوقاية من حوادث السير، ومن الاعلام العمومي الذي لم ينتبه إلى حمولة هذه الأغنية التي مست مشاعر شريحة واسعة من المجتمع المصابة بهذا الداء، فكان على المسؤولين أن يدققوا في كل ما يقدمون على نشره، حتى لا يمسوا بتهاونهم عواطف ومشاعر المواطنين، وبذلك يضاعفون معاناة هؤلاء المرضى، الذين أصيبوا بأمراض من سوء حظهم هي أمراض تحمل اسم السيدا أو السرطان..، في مجتمع مازال جل أفراده ينظر إلى هذه الأمراض، أنها أمراض قاتلة وخبيثة، وأنها عقاب من الله، وفي »مجتمع« إعلامي أيضاً لا يقدر الأشياء حق قدرها، وينطبق عليه بذلك المثل المغربي »جَا يْكَحَّلْهَا.. عْمَاهَا«.
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

