في وسط “زوبعة” الإذاعات الخاصة بتعدد برامجها، الجادة منها والهادفة، والضحلة المتردية، تأبى إذاعة
الدار
البيضاء
الكائن مقرها بعين الشق، إلا أن تستمر في شقّ طريقها بمزيد من الجدية والالتزام واعتماد المسؤولية في التعاطي للشأن الإذاعي، محافظة على أصالتها التي بصمت عليها في المشهد الإذاعي لمسيرة تتجاوز نصف قرن من الزمن، حافظت خلالها على خطو رصين، بعيدا كل البعد عن كافة أشكال الهرولة “التنشيطية”، مما جعلها ضيفة مفضّلة في مختلف المجالس وكل الجلسات، في المنازل والمحلات التجارية وغيرها من الفضاءات، ورفيقة السفر في السيارات والحافلات، محافظة على غنى الموروث الثقافي المغربي، معززة الصلة بالهوية والجذور، ومبدعة في تجديدها وانخراطها في تفاصيل المتغيرات المجتمعية وما تتطلبه الأذن الإذاعية بتعدد الشرائح والفئات العمرية والأذواق السمعية.
إذاعة
الدار
البيضاء
التي باشرت خطواتها الأولى الإذاعية منذ خمسينيات القرن الماضي، حين كان مقرها آنذاك بالوكالة الحضرية للمدينة حاليا، وانتقل مقرها فيما بعد الحماية إلى وراء المسرح البلدي، وهي فترة هي الأخرى زاهرة غنية، ثم تحول مقر الإذاعة بعد ذلك إلى عين الشق، وهي البناية التي شهدت على تطور معالم التلفزة والإذاعة على حدّ سواء، إلى غاية سنة 1994 التي تم الانتقال خلالها إلى المقر الحالي، في ذات الفضاء.
المتتبع للشأن الإذاعي لا يمكن إلا أن يلمس من خلال حسنٍ للإصغاء المجهود الكبير المبذول على مستوى البرامج الإذاعية، والمواكبة الصحافية لجملة من الأحداث والمستجدات التي تجعل من هذه الإذاعة حاضرة في قلب كل التفاصيل البيضاوية، مساهمة في تسليط الضوء على جملة القضايا المجتمعية من خلال تعدد السجالات واختلاف زوايا النقاشات، دينيا، سياسيا، اقتصاديا، صحّيا … وغيرها من المجالات التي تعتمر قبعة الجدية، ثم تنتقل إلى الجانب الترفيهي والتنشيطي، من خلال فقرات تحضر فيها النكتة الجادة والتسلية الهادفة، في ظل تصور أثيري بالغ الأناقة الإذاعية، تأكيدا على مهنية في أداء الرسالة الإعلامية.
لقد أضحت إذاعة
الدار
البيضاء
اليوم، وكما كانت على الدوام، إذاعة مستقطبة، أثيرها مفتوح على كل محبي “الراديو”، يمكن للجميع الإصغاء إلى برامجها دونما وجل من صدمة سمعية، أو “زلّة” لسانية، تحت مبرر الترفيه والتسلية، فالجدية والمسؤولية ظلتا دوما محددان فاصلان في أداء إعلاميي هذه الإذاعة، بنضج عالٍ، وبالتزام شافٍ، جعل الإذاعة حريصة على ربط الماضي بالحاضر، غير مغلّفة في جو من الرتابة أو سجينة أطلال ثقافة جامدة غير متطورة، بل عملت على اعتماد التجديد والتطوير في آليات اشتغالها كي تكون في مستوى اللحظة، دونما تناسٍ أو تجاهل ليوم مولدها وزخم سنوات نشأتها او تنكّر لتلك الفترة.
هي نقطة ضوء في بحر من العتمة، وإذاعة تصر برامجها على ألا تتيه وسط حالات الانزلاق، التيه، والجلبة، وهي نموذج يستحق به أن يحتذى في الرصانة، الجدية والمسؤولية، وفي الأخلاق الإذاعية.
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

