■ و كيف يتصورون فعل الكتابة ؟
إنها تندرج ضمن نوع من التحليل الذاتي . مثلا ، كابوتي كان يقول : الكلمات أنقذتني دائما من الحزن « . اما غراهام غرين فكان يقول « الكتابة ضرب من العلاج « ، و هذا صحيح . أما الكاتب الإنجليزي « روبير غرايفس» صاحب رواية « أنا كلايديوس « التي تحولت إلى سلسلة تلفزيونية شهيرة ، فكان يقول « عندما أكتب أتعذب كثيرا « . و بالنسبة للحاصل على جائزة نوبل يوسا فارغاس ، فكان يقول « إن الإحساس بأنك سعيد ، ليس منتجا على المستوى الأدبي « ، و هذا معناه أن الألم قد يكون طاقة مولدة للكتابة .
■ هل يعني ذلك ، أن الإشباع يُبيد ما نبحث عنه في الكتابة ؟
ذات مرة سألتني صديقة « لماذا ، تكتب قصصا معقدة ؟ « أجبتها « إذا كتبت قصصا كل شيء فيها جميل فلن يكون لها أي معنى ، و قد يفقد ذلك معنى الجمال ذاته « الحياة الجميلة نعيشها و لا نكتبها ، تستدعينا الكتابة لأن هناك خلل ما .
■ و مع ذلك عندما نقرأ هذه الكتب نحس بمتعة كبيرة و فرح غامر ..
هذا صحيح . و هذه هي النتيجة المرجوة من عمل جيد . لكن ، في نفس الوقت هناك كتاب يعرفون جيدا كيف يصنعون قصصا ، أي أنهم لا تعوزهم التقنية ، و مع ذلك يفتقدون لذلك السحر الذي يميز أعمال الكتاب الكبار . و هي موهبة تخص هؤلاء لوحدهم.
■ هل يوجد فرق لدى الكاتب بين أن يكتب بالقلم أو الريشة ، و أن يكتب بالآلة الكاتبة أو لحاسوب ؟
بالتأكيد هناك فرق كبير . أنا عرفت شخصيا الكاتب الإسباني « أنطونيو غالا « و هو كاتب كبير على مستوى عالي من الثقافة ، يكره الورق الأبيض ، لذلك فهو يستعمل دائما ورقا سبق استخدامه ، و كان يقول إن مواجهة الصفحة
البيضاء
أمر لا يحتمل . و لذلك كان لهمنغواي فكرة ذكية ، فهو لا ينهي أبدا ما بدأه اليوم و يترك جزءا منه إلى الغد ، لكي لا يجد نفسه أمام قدر الانطلاق من الصفر ، بصفحة فارغة .
■ همنغواي كان أيضا يكتب واقفا ؟
نعم ، عندما كان في
كوبا
كان يكتب واقفا على قدميه . نفس الشيء كان يقوم به فيرلوسيو ، الذي يمد حبلا أمامه يعلق عليه كل صفحة يكتبها ، و بهذه الطريقة يتمكن من أخذ نظرة عامة على كل ما كتب دفعة واحدة . عادة غريبة بعض الشيء أليس كذلك ؟
يجب أن نشير إلى استثناء يمثله غارسيا ماركيز ، على مستوى صنع الروايات . نحن نعرف العمل التقليدي لكل روائي محترف ، و هو نظام الصيغ المتوالية لذات العمل ، حيث يوضع الهيكل أولا ، ثم نعود إلى البداية و نشرع في إغناء المعجم ، و تطوير الحوارات ، و تعديل المشاهد و غيرها إلى أن نصل إلى الصيغة التي نعتبرها مكتملة . و في حالات كثيرة يترك العمل لمدة تزيد عن ستة أشهر و نعود إليه ، و نشرع في إغنائه و تطويره .
هذا يحدث مع كل الكتاب ، إلا غارسيا ماركيز ، الذي وصل في لحظة من حياته ، أعتقد وسط الأربعينات من عمره ، إلى مستوى أصبحت فيه كل صفحة يكتبها مكتملة و لا تحتاج إلى إعادة صياغة . حيث كان يقول :» أية صفحة أكتبها من رواية تصبح جاهزة للنشر ، و بإمكاني إرسالها مباشرة إلى المطبعة .» و في الحقيقة أنا لا أفهم ذلك . لأنه أثناء الكتابة تأتي أفكار جديدة تدعو إلى مراجعة ما كتبته سابقا في ضوء هذه الأفكار
الجديدة
. غارسيا ماركيز ، استثناء في هذا الباب ، فهو يعرف ما سيكتبه ، لأنه فكر فيه طويلا ، و يخرج مكتملا على الصفحة ، و ليس هناك مجال لتعديله .
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

