o كيف تقيم وضعية النقد الأدبي المغربي اليوم، وإلى أي حد يمكن الحديث عن مدرسة نقدية أدبية مغربية ؟
n يجب الإقرار أولا بأن النقد الأدبي الحديث في المغرب ، هو “حديث” العمر والنشأة، على شاكلة الأدب المغربي الحديث بعامة، شعرا وقصة ورواية.. والنقد قطب أساس وحساس في هذا الأدب. إذ لا يستقيم الإبداع الأدبي ويكتمل إلا بالنقد الأدبي، قارئا متابعا، وحسيبا رقيبا .
وتعتبر فترة الستينيات والسبعينيات من القرن الفارط، هي فترة انطلاق الحراك النقدي الأدبي الحديث في المغرب، بالدلالة المزدوجة لصفة(الحديث ) هنا. الدلالة الزمنية التاريخية، والدلالة الثقافية المفهومية.. حيث كان النقد الأدبي المغربي في هذه الفترة الحساسة، على موعد مع تيار الحداثة يعمّ الأوساط الثقافية والأدبية، ويحرك السواكن والثوابت في الفكر والإبداع.
وقد كانت مرحلة السبعينيات والثمانينيات من القرن الفارط بحق، مرحلة ذهبية للنقد المغربي الحديث وورشا حافلا وهائلا لاجتهاداته وتجلياته النظرية والمنهجية والنقدية .. حيث تفاعلت وتناسلت المناهج الحديثة على اختلاف مشاربها، وحَمِي وطيس السجال النقدي بين النقاد والأدباء، ووُضع النتاج الأدبي المغربي، بشعره وقصته وروايته، على المحكّ، بجرأة نقدية مشهودة، لا تهادن ولا تحابي .
وفي الفترة إياها، كما هو معلوم، صدرت أولى الكتب النقدية – الحديثة في المغرب، وهي:
” المصطلح المشترك” لإدريس الناقوري، و”سلطة الواقعية” لعبد القادر الشاوي، و”درجة الوعي في الكتابة” لنجيب العوفي .
كانت مرحلة ازدهار المناهج الواقعية والبنيوية والالتزام الأدبي، في غمرة هيمنة الفكر اليساري على الصعيد العالمي .
وأول الغيث
قطر
، ثم ينهمر .
وقد جاءت الأجيال النقدية بعدئذ متمرْحلة تَتْرى منذ عشية الثمانينيات فالتسعينيات وبداية الألفية الثالثة، لتواصل الحراك النقدي وتثري مسيرته بمنجزات وأعمال ورؤى جديدة وطموحة، استفادت من مستجدّات العصر، وفي مقدمتها الأنترنت. بما أفضى إلى ظاهرة جديدة، وهي ظاهرة الأدب الرقمي، والنقد الرقمي .
وهذا موضوع آخر للحديث .
عبر هذه الأجيال النقدية المغربية المتمرحلة في الزمان، مخَضْرمة وجديدة، توالت وتواترت
أسماء نقدية وازنة يصعب تعدادها في هذا المقام .
كما توالت وتواترت عطفا، أعمال وعناوين نقدية جادة وجديدة، صار لها صيت وصدى في المحافل المشرقية .
وبدون شك ، فهذا نقد مغربي، هوية وأَرومة، يحلق بجناحين في فضاء العالم العربي، بعد أن ظل حبيس بيته في ما مضى .
لكن الملاحظ في هذا السياق وترتيبا على ما سبق، هجرة النقد المغربي والنقاد المغاربة صوب المشرق العربي والخليج العربي .. بما يجعلنا تجاه ” مثاقفة ” عربية نشطة بين المغرب والمشرق، وبما يجعل النصوص المشرقية والخليجية حاضرة بكثافة في المتن الأدبي الذي يشتغل عليه النقد المغربي .
وهذا يبعد النقد المغربي قليلا، عن فلك اهتماماته الإبداعية المغربية ..ويجعله نقدا مُهاجرا .
يُضاف إلى هذا، أن الحدود بدأت تتقلص وتتماهى بين النقد المغربي والنقد المشرقي .
لذلك يصعب الحديث الآن عن مدرسة مغربية في النقد .
o لماذا فقد النقد الأدبي المغربي السبق في استنبات المفاهيم النقدية الرائدة في العالم العربي ؟
n صحيح أن النقد المغربي كان رائدا للنقد العربي الحديث وحامل لواء حداثته، نظريا ومنهجيا واصطلاحيا. كان ذلك تحديدا في عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الفارط ، حين كان النقد المغربي معْبَرا ووسيطا للحداثة النقدية الغربية وبخاصة الفرنسية، نحو العالم العربي. وذلك بمقتضى القرب الجغرافي للمغرب من أوربا، وبمقتضى المرجعية الثقافية الفرنسية للنقاد المغاربة .. بما جعلهم يعكفون على المتن النقدي والنظري الفرانكفوني دراسة وتمحيصا وترجمة وتوظيفا، قالبين تربة النقد العربي المألوفة وزارعين فيها بذورا وأغراسا جديدة .
وهذا ما لفت إليهم أنظار المشارقة، وجعلهم يشرئبّون إليهم ويستفيدون من اجتهاداتهم وكشوفهم .. حتى أضحى المغرب في هذه الفترة قِبْلة نقدية للنقاد .. يأتونها من كل فجّ. وكانت
تونس
في المرتبة الثانية من هذا الاهتمام .
لقد كان المغرب آنئذ نقديا بامتياز، يقود فكره النقدي مفكرون نقاد كبار من عيار محمد عابد الجابري ، عبد الله العروي، عبد الكبير الخطيبي ومحمد برادة.
لكن مع هبوب رياح العولمة العاتية، والهيمنة الكاسحة للأنترنيت ، والمآل الكارثي لثورات الربيع العربي، وللخريطة العربية التي أضحت نهْبا للفوضى، ومسرحا للفتن والمحن ، بدأ الإشعاع النقدي المغربي يفقد بعض بريقه وتأثيره ..وحل محله، في ما أرى، إشعاع إبداعي مغربي بديل، شعري وسردي ، في أكثر من عاصمة عربية .
ولعل أقرب دليل على ذلك، هذه الجوائز العربية المختلفة التي يحظى بها المبدعون المغاربة، خارج وطنهم وسربهم .
ومع تقديرنا وتثْميننا لمنجزات واجتهادات نقادنا الشباب والمخضْرمين، إلا أن قوة الإشعاع والتأثير فيها تبدو متواضعة .
يُضاف إلى هذا، أن حال الأدب والنقد، على الصعيد العالمي، يشوبها بعض كُسوف .
o لا يمكن فصل أزمة النقد الأدبي المغربي عن أزمة الثقافة والقراءة ومنظومة التعليم، وخصوصا الجامعي منه، في ظل التراكمات السلبية ..هل من سبيل لتجاوز هذه الأزمة ؟
n إن الأزمة في بعدها البانورامي والبنيوي العميق والواسع، هي أزمة واقع عربي متخبّط في المتاه، متاه التخلف والتبعية الذليلة والتطاحن القبَلي – الجاهلي ..وهي أزمة ثقافة عربية متخبّطة أيضا في المتاه .. تتلاعب بشراعها رياح عاتيات، وتنزرع في طريقها كمائن ومؤامرات.. تعيش في محيط من الأمية الألفبائية والحضارية .
ثقافة ما تنفكّ ، وهي على مدارج الألفية الثالثة، تبحث عن ذاتها، وتتلمس طريقها وسط أحراش من الألغام .
إن الأزمة باختصار، هي أزمة دولة ومجتمع لا تدور الثقافة بخلَدهما ولا يوليانها أدنى اهتمام، ولا يعرفان شيئا عن أزمة القراءة .. لأنهما ببساطة لا يقرآن .
وهي من بعد أزمة تعليم وقراءة، لا أزمة نقد .. لأن النقد الأدبي، كما أسلفت، ماض في طريقه ومسعاه، وأجيال النقاد لا تُخْلف مواعيدها مع الكتابة النقدية ..سواء أقوبلت أعمالهم بالقراءة أم بالعزوف .
ولا يختلف حال النقاد هنا، عن حال سائر المبدعين .
وهنا مكمن القوة والرمزية .
الإصرار على الحضور الأدبي، لمواجهة ومقاومة الخواء الأدبي .
وبصدد الإشارة إلى دور الجامعة، أسجل هنا أن الحراك النقدي المغربي، المشهود في عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الفارط، كان مُزامنا وموازيا للحَراك الجامعي، في كل من
فاس
والرباط .
وأغلب النقاد المغاربة، أساتذة جامعيون أو خرّيجو جامعات .
من هنا اهتمام المغاربة الدائم والبالغ الحساسية، بمسألة المناهج والمصطلحات والمقدمات النظرية .
لقد كانت الجامعة ورشا نقديا .
وحين نتأمل حال وواقع الجامعة الآن، يرجع إلينا البصر خاسئا وهو حسير .
هل من “وصفة” لتدارك هذه الحال، ورأْب هذا الصدع؟
ليس هناك من وصفة، ولا حتى ” عصا سحرية ” .. في ظل هذا الواقع الكالح للتعليم المغربي، والواقع المغربي .
ولا يصلح العطار ما أفسده الدهر .
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

