ما يزال البعض يسمون محمد تيفردين، الذي يعرض أعماله منذ 1989 في المغرب وخارجه، بالخطاط، أو خطاط
الصويرة
. أجل، خطاطا، بالمعنى الدقيق الضيق للصفة فنيا، كان في بداياته، بل إنه كان من بين أوائل الخطاطين في
مسقط
رأسه. لكنه لم يعد كذلك اليوم، إذ تطور منجزه، على غرار فنانين آخرين يوظفون الأبجدية العربية، من مجرد كتابة الكلام الإلهي جماليا، نحو ضفاف أخرى، ضفاف حيث يرتقي الحرف إلى وضع «علامة بوصفها صورة» ﴿وفق توصيف عبد الكبير الخطيبي الوارد في «الفن العربي المعاصر»﴾ ضمن تركيب العمل الفني. أجل، ضفاف تغادر في رحمها العلامات الخطية للسان العرب وظيفتها الأصل ﴿تركيب كلمات، أي دوال مكتوبة﴾، لتستقر في رحاب جزيرة الاندهاش وإدهاش نظرتنا التي تدميها بعنف تشوهات الحاضر.
عبر فعل القطيعة هذا مع منحاه الفني الأول، يتخلص محمد تيفردين من أرق رصد فرضية سادت خلال مدة غير يسيرة الفضاء العربي-الإسلامي: هل الإسلام حظر فعلا التشخيص، تشخيص الذات الإلهية كما الذات البشرية؟ مثلما يغض الطرف عن السؤال المتولد من هذه الفرضية: أليس فن الخط العربي تعويض فحسب على هذا الحظر؟ لقد أكد الخطيبي في «فن الخط العربي»، بخصوص هذه الفرضية، القرآن لا يحظر صراحة، في أية واحدة من آياته، التشخيص، وأن الفقه هو المسؤول عن تضييق هوامش الحقل الرمزي وتسييجه.
هكذا إذن، ليس ثمة مكان لسؤال هذا «المنع المفترض» في أعمال تيفردين، لأن الحرف متخلص، لديه، من وزر اللغة، ذلك أن اللغة العربية المكتوبة المقدسة، بفعل كونها توقيفية، مغيبة من هذه الأعمال، ومن ثمة، فقداستها مبطلة ضمنيا. وبناء عليه، فالفنان لا يقترح علينا أدنى كاليغرافيا، بالمعنى الدقيق للتوصيف، لأنه لا مبرر وجوديا لها خارج اللغة، بينما هذه الأخيرة غائبة من منجز تيفردين. وبالمقابل، فهو يهبنا إبداعا تشكيليا.
بماذا نصف محمد تيفردين إذن، بالخطاط-الرسام، أم بالرسام-الخطاط؟ إنه لا ينتمي، بجلاء، للصنف الأول لأن منجزه متحرر من تقديس اللغة المكتوبة، رغم أن هذا المنجز يغترف جوهره من المكونات المولدة لها، الحروف. إنه يعتنق، في الواقع، التشكيل أولا وقبل أي شيء آخر، والحرف، في مقاربته التشكيلية عنصر فحسب، علامة فقط، رغم أنه يهيمن على بقية عناصر اللوحة، هيمنة لا تفسد للتعايش والتكامل قضية.
مزيحا عنه بعد كونه مجرد مكون من مكونات دال لساني ﴿الكلمة﴾، يعيد الحرف، كما يتجلى جماليا في أعمال محمد تيفردين، تملك ذاته في حد ذاتها. فهو لم يعد بحاجة لظاهره الذي لا بديل له عنه في سياق وظيفته اليومية كعنصر من عناصر الكلمة. فها هو الظاهر ينسحب إذن من اللوحة ليفسح المجال لباطن الحرف، لجوهره، كي ترتقي العلامة الخطية إلى حياة مغايرة، وتتمتع بوضع اعتباري مختلف.
إن حرف تيفردين، سواء وهو شبيه بنفسه أو مختلف عنها عبر إعمال سحر التخطيط، وسواء حضر بكليته في العمل الفني أو اقتصر حضوره على جزئيته، ﴿إنه﴾ علامة تشكيلية تتكرر، تتقلص أو تتمدد، تتراجع إلى خلفية السند أو تحتل واجهته. إنه يتراءى، منعزلا كان أم مرتبطا بحروف أخرى، متقاطعا كان أم متشابكا مع غيره من الحروف، متكافلا في جميع الحالات مع علامات أخرى، لعل أبرزها علامات، ﴿يتراءى﴾ على هيئة أشكال سلسلة متخلصة من كل ما من شأنه توليد التوتر البصري.
أحيانا، تسلك أشكال محمد تيفردين، التي تسيطر ضمنها الدائرة مع حضور لافت للمضلعات وللإيحاءات الفسيفسائية، منحى تكوين أخيلة صافية أو خطوط معمارية. ويبدو أن نفسا عصيا على الفهم يدفعها إلى الامتداد نحو العلو، بحثا عن التسامي، وسعيا إلى التأمل الروحاني. وسواء تخلق اندفاعها عبر قرار مسبق للفنان، أو أجبر الأخير على الخضوع له من حيث لا يعلم، فأشكال تيفردين تخلق مآلها الخاص وتدبره بنفسها قبل أن يختم توقيع الفنان مخاض تولد اللوحة.
رسام-خطاط بامتياز إذن هو محمد تيفردين، لكنه، أيضا، متصوف بمعنى من المعاني ووفق طريقته الخاصة. فعلا، ألم يقل الشيخ الأكبر النفري: «الحرف حجاب والحجاب حرف»؟ وهو ما يستدعي الخروج عنه خلال السعي نحو المطلق. فعلا، ووفق مواقف الشيخ الأكبر دائما: «وقال لي إذا خرجتَ عن الحرف خرجتَ عن الأسماء، وإذا خرجتَ عن الأسماء خرجتَ عن المسميات، وإذا خرجتَ عن المسميات خرجتَ عن كل ما بدا، وإذا خرجتَ عن كل ما بدا قلتُ فسمعتَ ودعوتُ فأجبتَ».
أجل، أليس ما تكشف عنه المقاربة التشكيلية لمحمد تيفردين هو الخروج عن الحرف بالضبط، أو بصيغة أخرى نسف دوره في التسمية وفي الحجب الذي يمارسه على المدلول بصفته دالا؟
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

