تُوَلِّد السينما دائما نقاشا يؤدي دائما إلى خلق أفكار وتصورات جديدة، إلى درجة أن الفلسفة، مع جيل دولوز وجورج باطاي وإدغار موران وجان لوك غودار وأندري بازان.. وآخرين، أنشأت مع السينما علاقة غريبة متقاربة ومتباعدة ومتشابكة، مما أدى إلى نشوء وعي نظري آخر، وإلى تأسيس نظريات للسينما مستقلة عن نظريات الأدب. وقد ساهم ذلك في إثراء النقد السينمائي، وإلى تنوع مقارباته للمنجز السينمائي.
إن السينما، كما يدرك ذلك النقاد والفلاسفة على حد سواء، حالمة ومستيقظة، أي أنها تجمع بين الحلم والواقع، بين المتبدي وما ينبغي القبض عليه، وهو ما يجعل منها عالما أثيريا وشفافا، منبثقا وراء المادة والمكان والزمان، وهو الأمر الذي يجعل أيضا من «القراءة السينمائية» لحظة لإعادة الإنتاج والقبض على الانفعالات والرموز وتفكيك «اللغات» المستعملة، تقنيا ورمزيا، بعيدا عن التأويلات الفضائحية التي لا تلوي على شيء سوى على الخداع والتعنيف والتمويه والخداع والثرثرة وخلط الأوراق.
إن «الاتحاد السينمائي»، الذي نضعه اليوم بين يدي القراء، يحمل طموح القراءة الرصينة والمتأنية، كما يهدف إلى الانفتاح على القراءة المتعددة والمختلفة والغنية بالتأملات العميقة؛ وأيضا تلك التي تتعامل ب»حياد» و»نزاهة»مع كل الأفلام بغض النظر عن التفاصيل الأخرى الخارجية المرافقة لها. فنحن قد نظلم أحيانا بعض الأفلام حين لا نشاهدها بقدر كاف من التركيز والاهتمام، أو حين ننساق وراء مواقف مسبقة وحسابات شخصية وأحكام متسرعة؛ وقد نظلمها أيضا حين نفتقد إلى رؤية فنية ولأدوات تمكننا من النظر إليها كنصوص وبنيات يجب تفكيكها وإعادة تركيبها.
لقد ذهبت أفلام مغربية كثيرة ضحية لهذه النظرة الشوفينية، وهو ما يستدعي منا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن نعيد قراءة المتن السينمائي المغربي بانفتاح أكبر وبأدوات أدق (أن نقاربها بالمعرفة وليس بالتحامل والشللية). هذا هو المشروع الذي يجب أن نتبناه وندافع عنه جميعا، باحثين ونقاد ومحللين، خدمة للسينما المغربية. يصدر هذا الملحق كل يوم سبت ويضم في فقراته بالإضافة إلى قراءة وتحليل الأفلام، مقالات نظرية حول السينما وترجمات وحوارات مع فاعلين في عالم السينما من مخرجين وممثلين ونقاد ومنتجين وموزعين وتقنين. كما يتضمن أيضا مقالات إخبارية عن السينما ونجومها وجديد الأفلام في القاعات والمهرجانات والتظاهرات السينمائية. وهو مفتوح في وجه كل الكتابات التي تنخرط في هذا الأفق، حتى تستطيع جميعا أن نحول السينما إلى رحم أصلي للتفكير كما يقول دولوز. أليس هو القائل: «ينبغي أن يكون للصورة السينمائية تأثير الصدمة للفكر»؟
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

