عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ” رواه البخاري ، تذكرت هذا الحديث النبوي العظيم في فضل الحج المبرور والثناء عليه وأنا ارى وأسمع تلبية الحجاج بمكة المكرمة على شاشات التلفزيون ومع التذكر فتشت بسرعة عن معاني الحج المبرور وشروطه فوجدتها بعد بحث يسير ملخصة في نقاط أهمها أن يكون الحج من مالٍ حلال لا يخالطه حرام ولا تمسه شوائب الربا و لا تتخلله دراهم منهوبة من خزينة معينة أو ميزانية منسية ، ثم أن يبتعد الحاج عن الرفث والفسوق والإثم والجدال في تلك البقاع المقدسة ، وأن يأتي بالمناسك الخاصة بالحج وفق ما جاء في السنة النبوية الطاهرة المطهرة ، و أن يجتنب الرياء بالحج وفي الحج ، وأن يخلص النية لربه وخالقه ، وأن يتوب بعد الحج من كل النواقص والسيئات التي كان يرتكبها قبل الحج ، وأن يجعل من حجه بداية لحياة جديدة ملؤها الإخلاص للخالق والصدق في المعاملة مع الخلق.
نعم هذه وغيرها هي الشروط الخاصة بالحج المبرور ، وذلك هو المعنى الذي أيده عليه الصلاة والسلام بقوله : ” مَن حجَّ لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ” رواه البخاري ، ومع أننا نسمع ونقرأ كل يوم وكل عام وفي كل موسم حج مثل هذه الأحاديث إلا أن ما بين السماع وما بين التطبيق كما بين الأرض و السماء أو زيادة ، فالحج عند كثير من الناس في هذا البلد تحول من ركن من أركان الإسلام الخمسة فرض على كل من استطاع إليه سبيلا إلى مظهر اجتماعي له تجليات و أبعاد لا تعد ولا تحصى ، فجرد بذلك من معناه الحقيقي الذي أراده له المولى عز وجل ، وحرف عن الغاية التي وجد لأجلها ، وزحزح عن مقاصده التعبدية والتربوية والاجتماعية ، وبات ثلة من الأولين وعدد ليس بالهين من الآخرين لا يحققون من الحج إلا ما تعنيه الكلمة في اللغة فقط ، ولا يدركون منه إلا لقبا يتفاخرون به بين ذويهم وأقربائهم ومحيطاتهم العملية والاجتماعية ، وآخرون مثلهم كمثل الَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا [النحل: 92] لا يدركون أنهم يبطلون حجهم بأيديهم ويهدمون ما شيدوا من قصور للحسنات في تلك البقاع المقدسة ، فبمجرد أن تطأ أقدامهم أرض هذا الوطن الكريم إلا ويسارعون في ركوب الأمواج التي كانوا يركبونها قبل أدائهم لفريضة الحج ، فيتناسون بسرعة الريح المرسلة أن من كان حجه حجا مبرور هو الذي يمسي زاهدًا في الدنيا ، راغبًا في الآخرة ، مقبلا على الله في كل الأوقات بفؤاد نقي تقي ونفس خائفة من سوء الخاتمة متطلعة لما عند الله تاركة ما لغيره لغيره . الحج المبرور يا من حج ويا من يحدث نفسه بالحج ويا من يريد تكرار الحج ومضاعفة الأجر ، لا تتبعه ولا تسبقه شيخات وراقصات وسهر يقض المضاجع كالذي نراه ونسمعه من بعض الحجاج ، والحج المبرور لا يعني البتة أن نبذر الأموال وأن نتكبر على الخلق وأن نتصف بما تعافه الأنفس من أخلاق سيئة وسلوك مذموم ومعاملة ملعونة لاعنة لصاحبها . الحج المبرور لا يعني أبدا ولا يقتضي إهدارا للمال العام ، أي أن المسؤول الذي يحج من مال الشعب ومن الخزينة المملوءة بأموال دافعي الضرائب ، وهو يعلم أن كل درهم سينفقه ما بين رحلتي الذهاب والإياب إنما مصدره ميزانية لما انتهى القائمون عليها من إيجاد الأبواب الشرعية والمناسبة لصرفها ، تمعنوا في هذا الشعب الفقير فما وجدوا فيه من يعاني الفقر المدقع إلا مسؤولين لا ينقصهم سوى الحج فأكملوا لهم ما ينقصهم وما اعتبروا ذلك إهدارا للمال العام رغم ما يقوله الشرع في هذه المسألة … هذا المسؤول وغيره ممن حج بمثل هذا المال ، عليه أن يستفتي العلماء المنضوين تحت لواء حزب المجلس العلمي الأعلى ، فالمسألة تحتاج لفتوى تفصل في الأمر وتضع النقاط على الحروف وتعطي لكل ذي حق حقه . بين حج الرسول والصحابة الكرام ، وحج السلف والأجداد ، وحج حجاج اليوم وحج من ينافس الحجاج الأبرارعلى لقب الحاج ، وحج من يقيم الليالي الحمراء مباشرة بعد أداء المناسك ، بين ذلك الحج وهذا الحج بون شاسع وفرق واسع لا يمحوه إلا محو الأمية الدينية الخاصة بهذه الفريضة وهذا دور العلماء والشيوخ والفقهاء والدعاة إلى الله ، ولا يخفف منه إلا رفع أكف الضراعة لله عزوجل حتى يتقبل من الجميع ، ثم الامتثال لقوله عزوجل في سورة البقرة : َفإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ{201} أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ{202}” .
المصدر: محمد ملوك نشر في نيوز24

