عشية انعقاد المنتدى العالمي لحقوق الإنسان بمراكش، بادرت الحكومة إلى الإعلان، عبر مشروع قانون، عن نيّتها في توسيع صلاحيات الهيئة المركزية للوقاية من الرشوة على أن تشمل أيضا تحويل الأموال والغشّ وكل ما يدور ويتعلق بالرشوة التي هي عين الفساد، من قريب أو بعيد. لا أحد يجادل الآن في أن الهيئة المذكورة ما زالت مجالا “خصبا” للنقاش والجدال. لكن لا أحد يجادل في تحويل الهيئة لتصبح أداة حقيقية وفعّالة لمحاربة الرشوة ميدانيا، وهو ما سبق لرئيسها عبد السلام بودرار أن عبّر عنه في مناسبات سابقة. بمعنى آخر، لم يعد أحد، بمن فيهم المسؤولون ،يقبل أن تبقى الهيئة إلى الأبد عبارة عن مكتب ضبط، أو بريد رسائل، وتظل “مختصة”، بدون أدوات، في مجال الوقاية من أشدّ وأخطر الأمراض فتكا بالإنسان والمجتمعات. ذلك أن الرشوة تتطلب، فعلا، الانتقال من عملية الوقاية إذا كانت هناك وقاية إلى عملية المحاربة. فلا يعقل أبدا التعاطي مع وباء أخطر، كالرشوة، بنهج أسلوب الوقاية، في الوقت الذي يزداد سقوط عدد ضحاياها في كل دقيقة وساعة، وعلى مدار الأعوام والأحوال. وحين يصل الأمر إلى وجود ضحايا، فمعناه أن العملية أشبه بحرب إن لم تكن حربا حقيقية يشنّها علينا مَن في نفوسهم مرض. إنها حرب تتطلّب التعبئة الكاملة، وإعداد جميع أنواع الأسلحة لخوضها، إلى جانب العزيمة الصادقة، والإرادة الناجعة التي تسمح بالتصدّي لكل من تسوّل له نفسه الإضرار بوحدة المجتمع، والإساءة لسمعة الوطن. ولعلّ أوّل ما ينبغي في هذا المجال، البدء بتغيير اسم الهيئة من هيئة للوقاية من الرشوة إلى هيئة لمحاربة الرشوة، وتوفير مقوّمات الشخصية المعنوية والاستقلال المالي، مع إمدادها بمختلف أشكال العُدَّة والعتاد، والأطر “المحاربة” المتمرّسة والمستعدّة لمجابهة “الميليشيات” التي تعلن عن نفسها ووجودها، بكل وقاحة، في زوايا وأركان الإدارات والمؤسسات والفضاءات والميادين، وتتحدّى الجميع بالإصرار على نشر هذا العفن والمرض الذي يمكن القول إنه بلغ مستوى الوباء الذي يتطلّب رفع أقصى درجات التأهّب على سُلَّم الطوارئ. إن الحكامة المطلوبة لا يمكن أن تأخذ طريقها بكل سلاسة ومرونة مع وجود هذا النوع الخطير من الوباء الذي ينخر كيان الفرد والمجتمع. والحكامة الفعّالة لا يمكن أن تؤسّس وجودها على الهشاشة السائدة. والحكامة الناجعة هي التي تفرض نفسها حيثما كان هناك خلل أو شطط أو مرض أو وباء، وكل ما يسير في ركب الفساد. هذا يفرض الانتقال بالهيئة من مجال الاستشارة المحض إلى مجال اتخاذ القرار المحض: القرار المناسب في الوقت المناسب وبواسطة الرجل المناسب. حرب ستكون طويلة، بدون شك، الشيء الذي يفرض على الحكومة، التي تقول إنها تحارب الفساد وتجعله على سُلَّم أولوياتها، تمديد وتمتيع هيئة بودرار باختصاصات واسعة تسمح لها بإجراء تحقيقات، وإيداع شكاوى قضائية، ومتابعة المتورّطين، والحضور في افتتاح الأظرفة المتعلقة بطلبات العروض والصفقات، ثم تهييء وتسخير كافة الوسائل لمحاربة حقيقية للرشوة، ومدِّ هيئة بودرار بجميع المستلزمات والأدوات، وعلى وجه الخصوص، تكوين أو إعداد “محاربين أشاوس” أو فريق “كوموندو”، للانتشار على مختلف الجبهات التي توجد فيها “ميليشيات” الرشوة التي لا بد من الإقرار أنّ لها تجربة ميدانية لا يمكن الاستهانة بها راكمتها طيلة سنوات وعقود من الممارسة المقيتة، بشكل مكّنها من زرع فيروس الرشوة الفتّاك في جميع أركان المجتمع، وغرس جنّياتها التي تتّصف بقدرة غريبة على التناسل والإنجاب في الأركان المظلمة قبل أن تعلن عن وجودها، بكل وقاحة وتحدٍّ واستفزاز، على الساحة. لكن الأهم في كل هذا هو أن النيّة وقلّة النية لا تلتقيان.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

