تعيش الجالية المغربية في الخارج على وقع مخاطر حقوقية حقيقية، وهذا أقل ما يمكن استنتاجه من المعطيات التي يتم الكشف عنها في البرلمان وفي تصريحات المسؤولين الحكوميين ذوي الصلة بالموضوع، بين الفينة والأخرى. وتستهدف المخاطر الحقوقية المشار إليها الجيل الأول من الجالية، و المتقاعدين منهم أو المقبلين منهم على التقاعد بالخصوص. وهذه الفئة من المواطنين تقدر بقرابة 2 مليون ونصف شخص! و تكشف الحركية التشريعية في دول الاتحاد الأوروبي أن هذه الدول، وتحت واقع الأزمة أو لاعتبارات سياسية ضيقة، أو حتى عنصرية مقيتة، تتجه نحو الإجهاز على حقوق هذه الشريحة من المغاربة، التي تعاني هشاشة مزدوجة، تتعلق الأولى بأوضاعها الصحية المرتبطة بالتقدم في العمر والمعيشية المزرية. و تتعلق الهشاشة الثانية بكون هؤلاء المغاربة يخوضون معركتهم الحقوقية وحيدين وعزلا. و لا يظهر مما تم القيام به لحد الآن أنهم تمتعوا بحقهم الكامل كمواطنين في الحماية اللازمة والإنصاف الواجب من طرف بلدهم قبل غيره من البلدان.
ورغم أن واجب الحماية والإنصاف، الذي هو حق على الوطن يسائل الدولة والحكومة والبرلمان والأحزاب والإعلام والمجتمع المدني الحقوقي، يفرض التفاعل الإيجابي مع أوضاعهم فقط لأنهم مواطنين مغاربة في البداية والنهاية، إلا أن الوطنية الحقة تفرض النظر إليهم أيضا من زاوية ما قدموه ويقدموه وسيقدموه لوطنهم على كثير من الأصعدة وخاصة الاقتصادية و الاجتماعية. و هو ما يجعل من المفيد التذكير بحجم تلك الشريحة المهددة والمحرومة فعلا من حقوقها الأساسية في ضرب فاضح لكل التشريعات والمواثيق الدولية والأوروبية. و بأهميتها الإستراتيجية في الاقتصاد الوطني، وفي الاستقرار الاجتماعي للأسر المغربية. وفي هذا السياق نذكر بآخر المعطيات التي كشفت عنها الدراسة الأخيرة “لمؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج”، والتي تؤكد أن مغاربة العالم، المصرح بهم لدى المصالح الرسمية المختصة، يبلغون أزيد من 4 ملايين شخص يمثلون 10 بالمائة من ساكنة المغرب. ثلاثة أرباعهم يعيشون في دول الاتحاد الأوروبي وحدها. ويساهمون من خلال التحويلات المالية بالعملة الصعبة بقرابة 10 في المائة من الناتج الخام الوطني. هذه الفئة تتكون من الجيل الأول الذي ولد أفراده في المغرب وهاجروا، ومن الأجيال ( الثانية والثالثة بالخصوص) اللذين ولدوا في بلدان الإقامة. وتساهم هذه الفئة من المواطنين أيضا، وبالخصوص، في تحسين أوضاع مئات الآلاف من الأسر، وفي الديناميكية الاقتصادية للأسر التي تشكل اليوم بقوتها الاستهلاكية إحدى رافعات التنمية الأساسية بالمغرب… إن حجم الجيل الأول لمغاربة العالم في دول الاتحاد الأوروبي وحدها يناهز 2 مليون ونصف مواطن، وهؤلاء يعيشون إما حالة انتهاك حقيقية لحقوقهم الأساسية، أو أنهم مهددون بالحرمان منها في المستقبل القريب. وتضم فرنسا لوحدها 871 ألف شخص، وتضم هولندا 168 ألف آخرين، وهاتان الدولتان تمثلان النموذج الصارخ في المس بالحقوق الأساسية للمغاربة. و يهم ذلك المس حرمان المتقاعدين المغاربة، الذين ساهموا في بناء اقتصاديات تلك الدول وفي تغذية صناديقها الاجتماعية، من حقهم الكامل في التقاعد و في التغطية الصحية. والحق الأساسي الذي مس في هذه النازلة هو الحق في اختيار مكان العيش والإقامة، فكلا الدولتان ربطت الاستفادة من التعويضات والخدمات الاجتماعية بالإقامة على أراضيها. فهولندا قررت تعديل اتفاقية الضمان الاجتماعي الثنائية التي تجمعها مع المغرب من طرف واحد، رغم أن القضاء الهولندي نفسه رفض قرار الحكومة حرمان المتقاعدين من أصل أجنبي الذين يفضلون العيش خارج هولندا من قرابة نصف حقهم الأصلي في التقاعد، معتبرة ذلك مخالفا للمواثيق الدولية ومواثيق الاتحاد الأوروبي. وهذا القرار قبل أن يمس هؤلاء المواطنين فهو قد مس الدولة المغربية كونه خالف اتفاقية ثنائية تعبر سامية على قوانين البلدان. أما فرنسا التي يعيش فيها قرابة 120 ألف متقاعد أفنوا حياتهم في بناء الاقتصاد الفرنسي، ففرنسا تشترط على هؤلاء المتقاعدين، الذين يعاني جلهم من الأمراض المزمنة والخطيرة ومن مخلفات التقدم في العمر، من أجل استمرارهم في التمتع بحقوقهم المكتسبة، شروطا تعجيزية تطغى عليها المقاربة الاقتصادية التمييزية على حساب الحقوق الأساسية، ومن بين ما تشترطه على هؤلاء، كرد للجميل الذي قدموه لها أيام أزماتها الاقتصادية التي كان محورها الأساس أزمتها في اليد العاملة، هو (عدم مغادرة فرنسا لأزيد من 183 يوم والتوفر على منزل للإقامة، و نتيجة لذلك الشرط، فالذين اختاروا العودة إلى المغرب يضطرون، للإبقاء على الاستفادة من التغطية الصحية من صندوق الضمان الاجتماعي الذي ساهموا فيه في فترة نشاطهم المهني، إلى التنقل ذهابا وإيابا بين المغرب فرنسا كل ستة أشهر في الحافلات وهم المثخنون بالأمراض الصحية المزمنة، فضلا على ضرورة توفرهم على سكن للإقامة في فرنسا مع كل ما يعنيه ذلك من تكاليف ما دية مرهقة. و هذا الوضع هو ما جعل الكثيرين يختاروا إما العودة إلى المغرب بشكل نهائي مع حرمانهم من حقوقهم المكتسبة، أو المكوث في فرنسا في ظروف مهينة للكرامة الإنسانية في المجمعات السكنية التي تدعى ( les foyers) و المعروفة برداءة ظروف العيش فيها). والصادم في الأمر بالنسبة لتعامل فرنسا مع المتقاعدين المغاربة، و رغم الاعتبارات الاقتصادية التي تبرر بها سياستها الاجتماعية المجحفة، هو قيامها بالتمييز الفج بين المتقاعدين من أصل مغربي و متقاعديها الفرنسيين، حيث أنها مقابل حرمان المغاربة فهي (متعت المتقاعدين الفرنسيين بالتغطية الصحية دون قيد أو شرط في الداخل أو في الخارج. وذلك بعد اعتماد المنشور رقم L366 الذي يسقط عنهم شرط الإقامة، و اعتمدت لصالحهم في يناير سنة 2014 البطاقة الخضراء بالخارج، التي تسمح لهم بالاستفادة من كل الخدمات الصحية بالبلد الذين يقيمون فيه خارج فرنسا ). ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل ( أبرمت فرنسا مع المغرب – الذي تحرم متقاعديه من نفس الحق- اتفاقية ثنائية وبروتوكولا يستفيد من خلاله الفرنسيون من الخدمات الصحية بالمؤسسات الصحية المغربية المؤدى عنها من صندوق الضمان الاجتماعي، في تمييز اجتماعي بين المتقاعدين المغاربة والفرنسيين)! إن مقاييس المواطنة لا تجري فقط على الأشخاص، بل تجري بالدرجة الأولى على الدولة ومؤسساتها المختلفة والفاعلين الأساسيين في بلورة سياساتها. و واقعتي فرنسا وهولندا تضعنا أمام سؤال المواطنة الحقيقية، فبأي معنى للمواطنة يترك مئات آلاف المغاربة عزلا أمام سياسات تجردهم من حقوقهم المكتسبة في مخالفة صارخة للمواثيق الدولية ولمواثيق الاتحاد الأوروبي نفسه؟ بأي معنى للمواطنة لا تسارع مؤسسات الدولة المغربية المعنية إلى وقف هذه المجزرة الحقوقية في حق أزيد من مليوني ونصف مواطن مغربي؟ إنه لا تكفي التصريحات في مثل هذه الملفات الشائكة، بل لا بد من مبادرات جادة وقوية، وهنا نشير إلى ما أعلنه وزير التشغيل مؤخرا في البرلمان حيث تحدث عن لجنة وزارية ثلاثية و عن اتخاذ عدد من “الإجراءات التي لا نريد الإعلان عنها”، (نعم هكذا !) مضيفا ” لدينا أسلحتنا … إن المغرب يمتلك أسلحة كثيرة سيستعملها في الملف” ! متى؟ الله وحده أعلم. لقد تم بالفعل الإجهاز على حقوق المتقاعدين في الدولتين مند مدة غير يسيرة، وتسير دول أخرى في نفس الدرب بدريعة الأزمة الاقتصادية، ولم نرى لتلك الأسلحة أثرا، ولا علم أحد ما هي؟ و نغتنم هذه الفرصة لنهمس في أذن المسؤولين الذين لهم صلة بالملف: هل يتعلق الأمر بحرب “باردة” مع دول الاتحاد الأوروبي في ملف يحترق فيه قرابة مليونان ونصف مواطن مغربي؟
المصدر: حسن بويخف نشر في التجديد

