يصعب أن نستقصي الآثار التي تركها الأستاذ عبد الله بها في بناء وترشيد العقل السياسي للإسلاميين، لكن سنقتصر في هذا المقال على عشر قواعد أصلها الأستاذ بها وصارت جزءا لا يتجزأ من قواعد العمل السياسي التي تتميز بها المدرسة الحركية المغربية:
1- أول هذه القواعد يرتبط بتدبير آليات الانتقاء والترقي التنظيمي والاختيار في المسؤوليات، فقد كانت فكرة عبد الله بها في كل المحطات تتجه إلى محاصرة نزوعات الاستبداد الفردي والاتجاه إلى ضبط عملية الاختيار بجملة معايير وضوابط تسمح بتداول الرأي حول الأشخاص وإعمال التجريح بينهم على قاعدة القدرات التي تتناسب مع نوع المهمة أو المنصب الذي يرشح له هذا الشخص. وقد ظهرت ثمار هذا المنهج في مختلف المحطات الانتخابية الذي كانت تعتمد فيها آلية التداول بناء على المعايير التي كانت تحددها الأوراق المؤطرة. وقد ذهب الأمر بالأستاذ بها إلى التشدد في التنصيص على معايير وآليات الاختيار حتى في المناسب السامية، تقديرا منه رحمه الله للمآلات واعتبارا لما عرفته كثير من التنظيمات السياسية التي أعملت منطق الفرد والكتل في الاختيار فلم تستطع أن تجنب نفسها من الانقسامات والانشقاقات بسبب الخلاف على المناصب وعدم وجود قواعد ومعايير رضائية يؤول إليها الجميع لتحصين الوحدة الداخلية للتنظيم الحزبي. 2- هو الاستماتة للدفاع عن المشروعية القانونية والمؤسساتية، فقد كان رحمه الله يميل إلى تطبيق القانون وما تم الاتفاق عليه، وتعويد الإخوة على ضرورة الانقياد للاتفاقات التي انتهوا إليها، وكان أشد ما يغضب إذا رأى تحايلا افتئاتا أو تلاعبا بالمساطر، فكان رحمه الله يتدخل بكل قوة لمنع أي مسلك ينتهي بهدم أصول المشروعية القانونية والمؤسسية. 3- كان رحمه الله يؤمن بمعادلة دقيقة في تدبير الرأي الخلافي داخل التنظيم، فبقدر ما كان يؤمن بحرية الرأي داخل الهيئات والمؤسسات، بقدر ما كان يكره لجوء بعض الإخوة للإعلام للضغط به لتغيير مزاج الرأي العام داخل التنظيم، أو خدمة مصالح فئوية أو شخصية. 4- كان رحمه الله يؤكد في العمل السياسي على المصداقية والمسؤولية، فيكره أن يتم الافتئات على السلطة بالكذب أو المبالغة أو المناورة ويرى أن ذلك مضر بالحركة الإسلامية حتى ولو ظهر لها بعض الكسب من ذلك، وكان يوصي الإخوان بالمسؤولية في القول والعمل، ويعتبر أن المصداقية والمسؤولية هي الرأسمال الثقيل الذي سيرفع شأن الحركة الإسلامية ويقوي أوراق اعتمادها، ويجعلها صادمة في تدافعها داخل الحقل السياسي. 5- كان رحمه الله ينظر بعيدا في المآلات، ولا تأخذه في ذلك حمية نصرة المبدأ عن النظر إلى تدافع المصالح والمفاسد، وتغليب الأقوى منها في سياق الامتداد الزمني. 6- كان يكره رحمه الله منطق الشوكة داخل التنظيم، ويرفض سياسة التكتلات لدعم هذا الشخص على حساب ذاك، وكان إذا اجتمعت له القرائن على أن دائرة ما وقع فيها شيء من ذلك لا يتردد في البث فيها منتصرا في ذلك للمشروعية والمؤسسة والقيم الجامعة. 7- كان رحمه الله يرى أن الديمقراطية الداخلية خير كلها، وأنها تسمح بتقويم الأفكار والمسلكيات، وكان يؤثر عنه رحمه الله القول بأن استبداد الفرد ينتهي بالتنظيم إلى الإخفاق مهما كان صلاح الشخص وسداد رأيه، وأن الديمقراطية الداخلية تقود إلى الاختيارات السليمة حتى ولو كانت بعض نتائجها الجزئية غير ملائمة، لأن العبرة بالاتجاه العام والمآل لا ببعض التفاصيل غير المؤثرة. 8- كان يرى أن قوة التنظيم في تماسكه وتعبئة كل أطيافه، وان الديمقراطية الداخلية تضمن تماسك الصف، وأن الثبات على المرجعية القيمية هو الذي يعطي مضمونا فريدا لهذه الديمقراطية، فيجعل التداول على قاعدة النصح للتنظيم ولقيادته لا على أساس الولاءات والاصطفافات والتكتلات. 9- كان رحمه الله يحمل بوصلة واضحة مرتبة الأولويات، فلا يتردد في تقديم مصلحة الوطن على مصلحة الحزب، ومصلحة الحزب على مصلحة الأفراد، وكان يفني ذاته في خدمة القضايا الوطنية، ويعتبر أن المس بالمؤسسات يضر بالمصالح العليا للوطن. 10- كان مهووسا بفكر المصالحة في كل شيء، والتوافق والتعاون على الخير، ويرى أن مصالح الوطن تضيع في جو الصراع الوجودي والمناكفة والغلبة على الشرعية، ويعتبر أن ما ينقص المغرب ليس هو إرادة الإصلاح، ولكن هو التوافق والتعاون على الإصلاح، والمجابهة الذكية للوبيات الفساد. وكان رحمه الله يؤمن بأن جيوب مقاومة التغيير لن يسمحوا بالإصلاح يمر بشكل سلس، لكنه في الوقت ذاته كان يؤمن بأنهم اضعف من أن يواجهوا إرادة الإصلاح التي تبحث بمنهجية حثيثة عن التوافق لإنجاحه.
المصدر: بلال التليدي نشر في التجديد

