تسير العلاقات بين المغرب ودول الخليج العربية نحو مزيد من التركيز والتطور الاستراتيجي، وستتحول من علاقات منفردة بين المغرب وكل دولة على حدة إلى علاقات بين المغرب ومجموع دول المجلس، الذي يتجه نحو اندماج اقتصادي ومالي كبير. لقد كانت الوحدة العربية هي الحلم، الذي راود الشباب والشيوخ، وازداد قوة وعنفوانا مع الحقبة الناصرية، والوحدة الاندماجية بين مصر وسوريا، التي وصلت إلى الفشل بعد ثلاث سنوات، كما تربعت القومية العربية على عرش الأفكار والإيديولوجيات سنوات الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. غير أن الوحدة السياسية بينت أنها مشروع مؤجل أو غير قابل للتنفيذ، واليوم أصبحت بعيدة المنال في ظل التوترات التي يعيشها العالم العربي بعد “أسطورة الربيع”، واتساع فجوة الخلافات بين الأقطار العربية، وتباين المواقف حد النقيض، وتضارب المصالح الجيوسياسية والارتهانات الإقليمية والدولية، مما يجعل التفكير في الوحدة السياسية مجرد لغو كلام في عالم ينوء بالصراعات. وإذا كانت الوحدة على أسس سياسية غير ممكنة، فإنه كما يقال ما لا يدرك كله لا يترك جله، وبالتالي يبقى لزاما على الدول العربية، التي يربطها التاريخ والجغرافية والمصير المشترك، أن تبحث عن ممكنات الوحدة على أسس أخرى غير السياسة التي تفرق اليوم ولا تجمع، بل إنها أدخلت البلدان العربية في مطبات خطيرة لن تتعافى من نتائجها إلا بعد وقت طويل. ليست كل الدول العربية اليوم يمكن أن تجتمع على مطلب واحد، لأن بين بعضها خلافات جوهرية بل هنا حروب بالوكالة لا يمكن نسيانها وبالتالي فإن الوحدة العربية اليوم، هي وحدة بعض الدول. الوحدة التي لا يمكن أن تفشل هي الوحدة على أسس اقتصادية، حيث لا خلاف على ضرورة المرونة بين الدول العربية في حركة البضائع والتجارة، فإذا كانت المواقف السياسية عسيرة الهضم فعلى الأقل تكون هناك سلاسة في حركة التجارة البينية، التي تعتبر اليوم ضعيفة جدا، وأن بعض الدول العربية إن لم تكن أغلبها تتعامل مع بعضها البعض عن طريق وسطاء غربيين أو أسيويين. ومن هذا المنطلق الوحدوي ركز صناع العلاقات بين المغرب ومجلس التعاون لدول الخليج العربية، على الوحدة الاقتصادية، وعلى تسهيل حركة الرساميل بين الطرفين وإقامة المشاريع الاستثمارية. سيكون هذا المدخل أساسيا في بناء ركائز الوحدة الشاملة للعرب، وهكذا بدأت أوروبا بوحدة ست دول ووصلت إلى 28 وتقول هل من مزيد، وكانت في البداية عبارة عن اللجنة الاقتصادية الأوروبية، مهمتها إدارة الوحدة الاقتصادية لست دول، قبل أن تتحول إلى اللجنة الأوروبية، ذات الركيزة الاقتصادية التي تتوحد في مواقف سياسية قبل الوصول إلى الاتحاد الأوروبي، الذي هو سوق اقتصادية بسقف سياسي وليس اتحادا سياسيا. فلكل بلد عربي علاقاته وارتباطاته والتزاماته وبالتالي لا يمكن إقرار وحدة سياسية لكن الأمل في وحدة اقتصادية ذات سقف سياسي في يوم من الأيام، وها هي بين المغرب ودول الخليج تبدأ بالخطوة الأولى.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

