في سابقة هي الأولى من نوعها، تم الإعلان عن أسماء المتغيبين من أعضاء مجلس النواب عن الجلسة العامة التي عقدت يومي السبت الأحد في إطار مناقشة مشروع القانون المالي الجديد، وهي مبادرة طالما انتظرها الرأي العام الوطني، بعدما فاحت رائحة الغياب وصار الجميع يطالب بوضع حد لهذه الظاهرة التي أثرت سلبا على سمعة المؤسسة التشريعية وأفقدتها المصداقية لدى المواطنين، في وقت ظلت الجلسات العمومية تشهد منذ سنوات حضورا باهتال”ممثلي الأمة”.
فبالقدر الذي نشد بحرارة على هذه المبادرة الرامية إلى الحد من ظاهرة الغياب في كلا الغرفتين، والتي جاءت بفضل التنسيق القائم بينهما، مما عجل باتخاذ هذا الإجراء في إطار لجنة مشتركة للتشاور في كل الخطوات التي تهم تطبيق مقتضيات النظام الداخلي لكلا المجلسين بشأن ظاهرة الغياب، نؤكد أن قضية الغياب لا تقف عند ممثلي الأمة، وإنما تتعداها إلى وزراء الحكومة أيضا، وهو ما يطرح مجموعة من التساؤلات حول التعاطي الحكومي، مع هذه الإشكالية التي تعكس انعدام الجدية والمسؤولية لدى عدد من وزرائها، بما أنهم يتقاضون أجورهم وتعويضاتهم كذلك، من أموال الضرائب التي يدفعها المواطنون للخزينة العامة، وبعضهم لايفعلأي شيء وينهك ميزانية الدولة فقط. إن بنكيران مطالب بتطبيق مبدأ “الأجر مقابل العمل”، في حق هؤلاء الوزراء المتغيبين عن جلسات البرلمان، كما فعل مع الموظفين المضربين والموظفين الأشباح، تحت طائلة الغياب بدون عذر، حيث إن عدم خصم قدر من أجر المتغيبين الكبار من البرلمان أومن الحكومة، كما هو الشأن بالنسبة للمتغيبين الصغار من موظفين وأجراء، سيعني أن الحكومة تعبث وتتعامل بازداوجية مفضوحة، بشأن هذه القضية، وتكيل بمكيالين من حيث تطبيق القانون واحترامه. فكما يجب تطبيق مقتضيات القانون الداخلي للمجلسين في حق المتغيبين، حيث لا يعقل أن تصرف أموال باهظة للبرلمانيين وهم لا يؤدون عملهم، فإن الحكومة معنية هي الأخرى بهذه المشكل، ما دام أن بعض وزرائها لا يحترم المؤسسة التشريعية، ويصر بشكل أو بآخر على الغياب عن جلسات البرلمان العمومية، تحت أعذار واهية، مستندا على بند النيابة الذي يتيح تمرير مهمة الجواب على أسئلة ممثلي الأمة لوزير آخر. فهل من المعقول أن يصدر رئيس الحكومة مذكرة إدارية يحث فيها جميع الوزراء على وضع الولوجيات الإليكترونية في مدخل الإدارات العمومية ضد الموظفين الأشباح، في الوقت الذي كان من الأولى أن توضع في مدخل المؤسسة التشريعية، لضرب المثل للمواطنين، ليس فقط بشأن رصد البرلمانيين المتغيبين بل حتى الوزراء المتغيبين. إننا فعلا أمام مفارقة حقيقية، عندما يظل رئيس الحكومة يصرح أنه وحكومته ملتزمان باحترام مقتضيات الدستور وتطبيق القانون وتفعيل إجراءاته بحق الخارجين عليه أو المخالفين لبنوده ومساطره، في وقت ظل الحال على ما هو عليه بالنسبة لوزراء من حكومته الذين استمرأوا الغياب عن البرلمان، وحتى إن حضروا يكون حضورهم بأجسادهم، في وضع يعكس إلى حد كبير تناقضا صارخا مع مبدأ ” الأجر مقابل العمل”، ويرسخ أكثر لدى المواطنين، شعورا عاما بانعدام الثقة في حكومتهم. والأدهى من ذلك فإن غياب الوزراء لم يعد غيابا ماديا كما هو ملاحظ من خلال جلسات البرلمان، بل أضحى غيابا معنويا من حيث إن أغلبيتهم ليسوا معروفين شكلا ولا مضمونا لدى الغالبية الساحقة من المغاربة، حتى بعض أولئك الذين يتمسكون بشماعة “المرجعية الإسلامية”. فباستثناء بعض الوجوه الوزارية المعروفة مثل بنكيران والعنصر وبنعبد الله ومزوار والوفا، تبقى القائمة الحكومية مجهولة لدى المغاربة، نتيجة غياب ساهمت فيه حكومة بسبب الترضيات السياسية، بدل الكفاءة والنوعية وعلى روح الوطنية المواطنة والمسؤولية الأخلاقية تجاه المواطنين. إن المفارقة إذن كبيرة بين برلمان تسعى رئاستاه إلى الحد من ظاهرة الغياب عن الجلسات العمومية، عبر ضبط لائحة الحضور والغياب وبثها أمام الرأي العام، وبين حكومة ظلت غائبة تماما عن مواطنيها منذ تنصيبها، ماديا ومعنويا، على عكس ما كان عليه الحال بالنسبة لحكومات من العيار الثقيل كحكومة عبد الله إبراهيم أو حكومة المعطي بوعبيد، أو عبد اللطيف الفيلالي أو عبد الرحمان اليوسفي، أيام كانت السياسة تشكل حالة عامة لدى المغاربة، بالرغم مما يقال عن سنوات الرصاص وما بعدها، حيث كان المواطن المغربي أشد اهتماما وانشغالا بما يجري خلف كواليس الحكومات وما تصدره من قرارات وإجراءات. أما اليوم فلا شيء من هذا موجود إلا ما رحم ربك، لأن المواطنين قرروا منذ مجيء حكومتنا الموقرة هاته، ترك السياسة والبحث عن لقمة العيش وضمان حياة كريمة.
المصدر: رسالة الأمة نشر في رسالة الأمة

