سيتأثر محمد بصير بالأجواء السياسية التي كانت تشهدها مصر وبرمزية جمال عبد الناصر، وتزامن مقام محمد بصير بمصر مع الصعود القوي للدور القومي للرئيس المصري، ففي السنوات الأولى من ستينيات القرن الماضي كانت بداية تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية وحاول جمال عبد الناصر السيطرة عليها بواسطة مرشحه أحمد الشقيري الذي كان رئيسا للمنظمة، وخلال تلك الفترة أصبح جمال عبد الناصر رئيسا لدول عدم الانحياز سنة 1964 حيث سيعقد مؤتمرها بالقاهرة، والتي كان هدفها ترسيخ عدم الانحياز وتعزيز السلام العالمي في ظل الحرب الباردة، والقضاء على الاستعمار، وزيادة التعاون الاقتصادي فيما بين البلدان النامية، ولم يتأخر جمال عبد الناصر في المضي في مسار خطه لنفسه، وسعيه إلى أن يكون زعيما عربيا ودوليا عندما احتضن العشرات من القادة المناهضين للاستعمار، وسمح للعديد من البلدان الأفريقية ببث الدعاية المناهضة للاستعمار من القاهرة، وكان من ضمن هؤلاء الأمير عبد الكريم الخطابي، وسيزيد ذلك من الإعجاب الشديد لمحمد بصير بالقائد القومي جمال عبد الناصر، وهو ما ينقله في رسالة مطولة إلى شقيقه المصطفى وفيها يلوم شقيقه على تأخره في مراسلته ويوجه إليه العتاب على ذلك بقوله: «يسرني أن أكتب لك كتابي هذا بعد أن انتظرت طويلا كتابك العزيز بفارغ الصبر، فلم يصلني لحد الساعة، سؤالي: ما هو السر الذي جعلك لم تكتب لي.. وأحيطك علما أنني زعلان من عدم كتابك لي، وخصوصا وأن المدة التي أرسلت لك فيها مدة طويلة، ألم يصلك أم ماذا، أخي يسرني في هذه المناسبة أن أؤكد لك مرة ثانية أنني صريح معك في كل شيء سواء تعلق الأمر بي أو بك إلى أبعد الحدود بحيث أخذت على نفسي أن أخبرك بكل عمل قمت به حتى يمكننا أن نعيش مع بعض رغم بعد المسافة بيننا، ولكن الواجب من جهتي أقوم به، أما من جهتك فأنت المسؤول».
ويشرع محمد بصير في نقل الأجواء التي يعيشها بتفصيل في مصر وتفرغه الكامل للدراسة بقوله في رسالة بتاريخ 20 يناير من سنة 1965، «شقيقي العزيز يسعدني أن أتحدث لك في كتابي هذا عن الجو الذي أعيش فيه هذه الأيام، إنني والحق يقال أعيش في هذه الأيام في أتم السعادة والهناء رغم الحالة المادية السيئة إلى أقصى حد، اللهم إلا ما كان من بعض الفترات تحل أجابهها بمقاومتي وبعزيمتي فتنجلي، والسر في إسعادي هو البيئة التي أعيش فيها، بحيث الدراسة مستمرة وفي جو ممتاز، والنشاطات الثقافية في كل ساعة ومكان، وأكثر من هذا أن العمارة التي أسكنها وفي الجناح بالذات، جمعني الله وحظي مع طلاب جامعيين همهم الوحيد هو الدراسة والبحث والتنقيب، ولا تجد في جلساتنا أثناء الأكل أو الشرب أحاديث فارغة، بل كلها في الثقافة والأخبار الثقافية والاجتماعية، والذي زاد في الطين بلة، أن هؤلاء الطلاب كل واحد ينتمي إلى كلية من الكليات، وكم أتمنى لو كنت بجانبنا كما يتمنون هم لما أتحدث لهم عنك، في كل يوم يسألوني هل أتاك كتاب من الأخ مصطفى أم لا فأقول بالطبع لا».
وينتقل محمد بصير إلى وصف الأجواء السياسية التي تعيشها مصر، وفيها يحكي عن فترة استعدادات مصر لفترة رئاسية سبقها إعلان عبد الناصر عن تنحيه عن الرئاسة قبل أن يترشح وحيدا في مارس من سنة 1965، وينقل محمد بصير بإعجاب شديد تلك المرحلة في رسالته قائلا: «… فيا سلام يا أخي أن كل إنسان يعيش في هذه الأيام الأخيرة في القاهرة يشعر أنه في بلد حرة طليقة، وبلغت من التقدم وخصوصا في المسائل الاجتماعية والسياسية الرقم القياسي تصور أن الرئيس جمال عبد الناصر لما بعث بمذكرة إلى مجلس الأمة يذكره فيها بأن المدة التي هو فيها رئيسا لجمهورية مصر العربية قد انتهت وينبغي له أن يرشح الرئيس الجديد، فما كاد الشعب يستمع إلى تلك المذكرة الخالدة والمثيرة في آن واحد حتى خرج عن بكرة أبيه قاصدا مكاتب البريد ومجلس الأمة يرسل البرقيات ويعبر عن أن الرئيس الجديد هو جمال، ويطلب بلهفة قوية أن لا رئيس سواه، ولما قرب موعد الترشيح وكاد هذا اليوم أن يصل حتى امتلأت القاهرة بالمواطنين لمبايعة الرئيس بأنفسهم زيادة وتأكيدا على ناخبيهم في مجلس الأمة، فخرج القانونيون والعلماء والدكاترة والطلاب والنساء والعمال حاملين لافتات المبايعة يجوبون شوارع القاهرة ما بين مجلس الأمة ومنزل الرئيس، وأتى اليوم المشهود الذي سيعلن فيه رئيس المجلس عن رغبة الشعب، ويبلغه للرئيس فازدحم المواطنون سواء المصريون أو الأجانب في كل مكان يسمعون أو يشاهدون إعلان هذه الرغبة، والقلوب كلها مملوءة حبا وفرحا وابتهاجا بسماعه، ومكث الكل ينتظر ومجلس الأمة يأخذ قراراته طيلة اليوم، وأخيرا أذيعت الرغبة التي كان كل واحد سواء في مصر أو خارجها إلا الأعداء يرغبها».
ويواصل محمد بصير نقل الصور بدهشة المعجب، »… وبعد أن ذهب رئيس مجلس الأمة ليبلغ الرئيس برغبة الشعب والثقة التي وضعها فيه أتى ذلك البطل المظفر صحبة رئيس مجلس الأمة لكي يلتقي بشعبه الباسل وبممثليه، ويعلن إليهم وإلى الرأي العالمي عن قبوله حمل علم هذه الدولة العظيمة، موضحا للكل في خطاب عظيم ومثير نابع من قلب بطل من أبطال هذا العصر أنه إن كان هذا الترشيح للفخر والتكرم فإنه لا يرضاه، وإن كان للتجنيد والعمل… كتبت لك كل هذه الأشياء لا لشيء، وإنما الشعور الذي أشعر به تركني أكتب لك، وكيف يكتب الشخص ويخبر إن لم يكتب عن هذا.. وخلاصة القول ما أحلى بلاد الحرية، وما أجمل العيش بها، وخصوصا البلاد التي بها هذا البطل العربي الفذ، فلا أكثر من أن يشاهد الشخص هذا المنظر الذي سردته لك ويعيش بكل جوارحه معه».

