ينبغي التوقف قليلا عند دلالات انعقاد الدورة الرابعة لهيئة رؤساء منتدى الوسطية بإفريقيا الذي سينعقد الخميس المقبل برئاسة حركة التوحيد والإصلاح، فبعد سنة وبضعة أشهر من ندوة الوسطية التي انعقدت بالرباط، توسعت عضوية المنتدى بانضمام ثلاث دول إفريقية أخرى، ويتوقع أن يكون حجم الوفود كبيرا ودالا، كما أن هذا اللقاء يتم عشية انعقاد المؤتمر الخامس لحركة التوحيد والإصلاح.
ثمة ثلاث دلالات كبرى يمكن أن نسجلها بهذا الخصوص، بعضها مرتبط بجوهر المبادرة في حد ذاتها، فيما البعض الآخر يخص الرسائل التي يمكن التقاطها من توجه حركة التوحيد والإصلاح بهذه المبادرة. من جهة المبادرة في حد ذاتها، يمكن التوقف عند دلالة الوعي بحجم التحديات التي تعرفها منطقة الساحل جنوب الصحراء ومخاطر توسع دائرة التطرف والغلو في المنطقة، وبالدور الذي يمكن أن يقوم به العلماء والحركات الدعوية في بث خطاب ديني يعزز مواقع الاعتدال والوسطية، ويواجه تحديات التطرف والغلو والتنصير والتشيع الزاحف على المنطقة، إذ تمثل هذه التحديات قضايا مشتركة تتقاسمها منطقة غرب إفريقيا، مما يتطلب معه بذل الجهود المدنية والأهلية لتحصين الشباب من الوقوع في دائرة التجنيد لشبكات التطرف والإرهاب والجريمة المنظمة التي تهدد منطقة الساحل جنوب الصحراء لاسيما مع تنامي ظاهرة الاستقطاب لما يعرف بالجهاد في بؤر التوتر المعروفة. ثمة أربع عناصر على الأقل يمكن الاعتماد عليها لإنجاح الدور المدني الدعوي في هذه المهمة: أولها الارتباط التاريخي والديني الذي يجمع المغرب بهذه الدول، وثانيها الوحدة العقدية والمذهبية التي تميز هذه المنطقة، وثالثها الاعتبار الاستراتيجي الذي يحتم على المغرب فتح نافذته واسعة على إفريقيا واستعادة عمقه التاريخي فيها، ورابعها الهموم والتحديات المشتركة بين بلدان هذه المنطقة، والتي تحتم العمل من موقع رسمي وأيضا مدني، من أجل بحث الاستراتيجيات الممكنة لتقديم جواب جماعي مشترك على هذه التحديات. أما من جهة توجه الحركة، فيمكن أن نسجل ثلاث دلالات على الأقل: 1- الأولى، وتهم ترسيخ مغربية الحركة الإسلامية في رؤيتها وتوجهها وشكل علاقاتها، فخلافا للتوجهات النمطية التي تحاول بصم هذه الحركة بالارتباط العضوي بالمشرق أو ببعض حركاته، تعزز الحركة من خلال توجهها للعمق الإفريقي فكرة وطنية النموذج الحركي المغربي وانشغاله بنفس الهموم والأولويات التي تنشغل بها الدولة مع اختلاف الموقع والأدوات. 2- الثانية، وتخص ترسيخ البعد التكاملي بين عمل الدولة وبين العمل المدني الأهلي في مواجهة التحديات الأمنية الصادرة من دول الساحل جنوب الصحراء، فإذا كان طبيعة الدولة تفرض عليها شكلا من التعاطي مع دول إفريقيا يدمج العديد من المقاربات الأمنية والدينية والتنموية وغيرها، فإن طبيعة العمل المدني، والدعوي فيه بشكل خاص، يفرض شكلا آخر من التعاطي يدمج المبادرات المدنية وفي مقدمتها دور العلماء والحركات الإصلاحية في تحقيق نفس الأهداف ومواجهة نفس التحديات لكن من موقع آخر وبأدوات مختلفة عن أدوات الدولة، وهو ما تسعى حركة التوحيد والإصلاح إلى تحقيقه لاسيما وأن المعامل الديني والدعوي يعتبر فاعلا مركزيا في مواجهة التحديات المرتبطة بأثر الخطاب الديني في مواجهة التطرف والإرهاب. 3- أما الدلالة الثالثة، فتخص نوع العلاقات الخارجية التي تنسجها حركة التوحيد والإصلاح وموضوعها وعائداتها، إذ تكشف هذه المبادرة انفتاحها كل كافة التيارات الصوفية والحركية والدعوية التي توحدها ثوابت المذهب والاختيار الفقهي والسلوكي، وتسير من حيث العائدات في اتجاه مساعدة الدولة في تحقيق الأهداف التي تصبو إليها واستعادة الإشعاع المغربي في المنطقة.
المصدر: بلال التليدي نشر في التجديد

