يتناول الدكتور عبد الكريم العمري في مؤلّفه الجديد حول “أمراض التقاعد” ، بالشرح والتحليل ، والوقوف عند أدق التفاصيل ، أهم وأخطر مرحلة في حياة الشخص ،غالبا ما تطرأ فيها تحولات ،إن لم نقل انقلابات ، تقلب حياته رأسا على عقب .إنها مرحلة التقاعد . فكيف تكون حالة الشخص حين يتوصل برسالة تخبره فيها بإحالته على التقاعد، وبالتالي الشروع في إعداد ملف خاص قصد تسوية معاشه ؟ إنها مرحلة أخرى، جديدة،من حياة الشخص الذي يجد نفسه أمام قضايا ومشاكل قد لا يكون مستعدا لمواجهتها ن مما يفرض عليه الدخول في “مرحلة انتقالية” قد تطول وقد تقصر ، بل قد تستمر إلى نهاية العمر . هذه المرحلة من العمر هي التي يتصدى لها الدكتور عبد الكريم العمري ، ويسلط عليها ما يكفي من الضوء لتقديمها بالشكل الواضح . وقد جاء ذلك من خلال متابعة وملاحظة مباشرة لعدة حالات من خلال مساره المهني الطويل والغني كطبيب وقف على حالات مرضية لأشخاص لم يكونوا يشعروا بها أو يلقوا لها بالا وهم في أوج الصحة والعطاء والنشاط إلاّ عندما داهمهم التقاعد ، وجثم بمشاكله على صدورهم . من خلال الحلقات التالية ، يتضح أن الشخص يعيش مرحلة أخرى ، هامة ، من عمره ، لم تكن في الحسبان ، إلاّ حينما يصطدم ويلمس كل صباح التغيّر الجديد الطارئ على حالته النفسية والجسدية ، وكذا على علاقاته مع أسرته وأقاربه ومحيطه . إنه اكتشاف يغري بالمتابعة وجدير بسبر أغواره بكل التفاصيل التي يحرص الدكتور العمري على النبش فيها . الحلقة 1 مفاهيم حول أمراض التقاعد لعلها تسمية تلفت الانتباه وتوضع حولها عدة أسئلة هل هناك فعلا أمراض التقاعد؟ وما هي هذه الأمراض؟ وهل تصيب المتقاعدين فقط؟ وإذا لم يكن هناك متقاعدين فهل تختفي هذه الأمراض؟ … وأسئلة أخرى، ولنا الحق أن نضعها ونحاول أن نجد لها جوابا… فالمتقاعدون يوجدون في كل مكان وزمان، لذلك فهذه الأمراض لابد أن تصيبهم إذا لم نجد لها وقاية… وإذا كانت حقا موجودة. الدول المتقدمة والغنية لا تفرط في متقاعديها، خاصة منهم الأطر، والأطر التي تزودت واكتسبت ،أثناء مراحل عملها وحياتها، معرفة وتجارب كثيرة، الشيء الذي يمكن أن يقدم نفعا وغنى للأجيال القادمة وللمجتمع والدولة. لذلك، وجدت حلا ووقاية لهذه الأمراض. من المعلوم ، والكل يعرف ويرى ويسمع، أن الدول الفقيرة والضعيفة والسائرة في طريق النمو النمو الذي ما زال في طريق النمو الذي لا ينتهي ، لا تفرط في متقاعديها فقط،لكنها تفرط في أطرها الشابة. لمن لا يعرف، ولم يسمع عليه أن يزور شارع محمد الخامس في
الرباط
، والشوارع الكبرى في المدن الأخرى،وكذا حول الإدارات ، فسيرى ويعرف جيدا بل يقف عل حقيقة صادمة تقول أننا نعمل على طرد أطرنا الشابة من بلادها لتقع لقمة سائغة في فم البلاد الغنية. لقد شد حولها الطوق، كما شد حول المسؤولين لئلا يفتحوا لها المجال للعمل ببلادها. البنك الدولي ، إلى جانب البلاد الغنية ،قدم “إعانات” وديونا مع قائمة من الشروط لتصبح البلاد رهن إشارتهم،وفي قبضة أيديهم ،سواء في إدارتها أو برامجها أو صناعتها أو في استقبال أطرها أو عدم استقبالهم… إذن، نعرف هذه البلاد التي يطلق عليها عادة اسم «بلدان في طريق النمو”، وفي إطار العالم الثالث، أنها لا تتردد في الاستغناء عن أطرها التي أنفقت عليها ،وأنفق عليها الأهل، الأموال الطائلة ، لتهرب ، في النهاية ،إلى الدول الغنية والمصنعة لتستغلها أبشع استغلال… فهي دوما كانت وستبقى بالنسبة لتلك البلاد أطرا من العالم الثالث، جاءت تبحث عن العمل، عن لقمة العيش. إذا كانت هذه البلاد، في طريق النمو، تستغني عن الإطار الشاب الذي من المفروض أن يبدأ حياته ببلاده ويفيدها بما حصل عليه واكتسبه من المعارف ، وسيكون هذا لمدة طويلة، قبل أن ترمي إلى سلة التقاعد، فكيف نريد أو يريد أي إنسان من هذه البلاد أن تستفيد من متقاعديها …؟ لعلنا نطلب المستحيل… ولكننا سنظل نأمل ونسعى لتحقيق هذا المستحيل أو بعضا منه. لتجد فيهم الدولة والمجتمع العون والتجربة، في حين يجد المتقاعدون حافزا مهما في استمرار نشاطهم، وملأ لذلك الفراغ المقلق الذي يتسبّب في أمراض لا قبل للإنسان ولا للمجتمع والدولة بتحمل أعبائها ونفقاتها والسهر عليها. في كثير من الدول المتقدمة الغنية والمصنعة ، لا يوجد محل ولا مكان للتقاعد، أي لا مكان للفراغ، وبالتالي، لا مكان لأمراض التقاعد خاصة بين الأطر. فبمجرد حلول سن التقاعد، تجد لهم الدولة ويجد لهم المجتمع ويجدون هم لأنفسهم مجالا واسعا للعمل، للإبقاء على نشاطهم والاستفادة من تجربتهم، يجدون ذلك حولهم في بيتهم وفي مجتمعهم في المنظمات المحلية والعالمية. وهكذا نجد الكثير منهم قد أصبح مستشارا وخبيرا في ميدانه، ينفع نفسه وينفع مجتمعه وبلده، وأحيانا يكون عمله في منفعة الإنسانية جمعاء.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

