لا نعلم إذا كان القبطان أديب تسلّل إلى مستشفى “فال دو غراس” العسكري، بباريس، تحت جنح الظلام أم تحت أضواء الأنوار الكاشفة التي تحيط بهذه المؤسسة الفرنسية ذات الأهمية الكبرى، ليصل إلى غرفة الجنرال عبد العزيز بناني، ويعربد فيها كيفما شاء؟ إذا كان قد تسلّل، جريا على عادة اللصوص، تحت جنح الظلام، فتلك مصيبة. أما إذا كان قد “سلت” إلى المستشفى “بلفور ياشيفور”، وتحت عيون المراقبة البشرية والإلكترونية ومختلف أجهزة الكشف والتنصّت، فالمصيبة أعظم، وتدل دلالة واضحة على أنّ هناك في
فرنسا
من يريد “الخدمة” في المغرب، وهناك من “يتطوع” لذلك. وتكبر المأساة حين نعلم أن هذا “التسلّل” تم في “عاصمة الأنوار” التي أصبحت، في المدة الأخيرة، نفقا أو دهليزا، برطوبة عالية، لكائنات تعشق العمل في الظلام. القبطان أديب، الذي أثار حوله تعاطفا ملتبسا، لم يفكر لحظة واحدة في أن ما ارتكبه يبقى بعيدا عن الأدب والأخلاق والأعراف وأبسط حقوق الإنسان المتعارف عليها التي يتغنّى بها أينما حلّ وارتحل. رجل يدلف غرفة مريض في حالة يرثى لها، ويتهجّم على من وما فيها تحت أنوار، عفوا أنظار الأطباء والممرضين والمخبرين والعسكر الموجودين في عين المكان، ويصيح ويصرخ بأعلى صوته في مكان ممنوع فيه أيّ شكل من أشكال الإزعاج، بل سمح لنفسه بعد أن سمح له من سمح بالتسلل بأن يعيث في المكان ويعربد فيه بكل الحرية التي يتصورها في “بلاد الحرية” التي تهدي أصنام الحرية لمن يعشقها ويعبدها وينسخ نماذج منها قبل عرضها للبيع. هكذا فقد القبطان ريادته، ويفقد أديب أدبه ليصبح في وضع “لا حمار، لا سبعة فرنك” في بلاد الفرنك الذي فقد قيمته. هناك شيء ما يتم في سراديب وأنفاق العاصمة الفرنسية ضد المغرب. وما حادثة الاقتحام الوقح للسفارة المغربية ببعيد؛ وما الغزل الفرنسي المتكرر تجاه النظام الجزائري بأبعد؛ وما العين الحمراء الفرنسية التي تحوّلت، بقدرة قادر، إلى “عين ميكا” بشيء يمكن تصديقه بكل حسن نية. هي “أمّنا
فرنسا
” التي ينسى من يقول إنهم مناضلون وحقوقيون ومحترفو سياسة، في جلسات كأس حميمية، الوجه العبوس التي تكشّر عنه حين تعود إلى عاداتها القبيحة المتمثلة في استغلال وضعهم واستخدامهم للإساءة وطعن أوطانهم. وحين تستفيق
فرنسا
الشمطاء من ثمالتها، تطلب العفو ممّن أصابتهم برشاش إساءتها البالغة، وتقول بوجود خلل ما لا بد من التصدي لإصلاحه، وإعادة المياه إلى مجاريها. ينسى البعض، ربما تحت دوخة الأنوار، أن
فرنسا
تبقى هي
فرنسا
البارعة في اصطناع المقالب السخيفة لجيرانها، والمغرب واحد منهم، من دون مراعاة ما تؤمن به من مبادئ وقيم ومثل. وحين يتعلق الأمر بمصالحها تراها تلهث وراءها وهي تطلق الابتسامات الصفراء والقبلات الصّماء يمينا وشمالا. فهل من المعقول أن تترك مسلسل الخلل، الذي اصطنعته، يطول ويمتد، في نفس الوقت تقدم الدليل تلو الدليل على ما يسكن دواخلها من سوء نية. كأنّ أبواب حصن “فال دو غراس” انفتحت فجأة أمام القبطان “سمسم” بكلمته السحرية، ويدخل المكان غازيا، منتشيا بالفتح المبين الذي حقّقه على حالته الذهنية والنفسية غير الطبيعية، بعد أن أدّى له عسس وحرس الحصن المنيع التحية التي تليق بالمقام. كأن
فرنسا
، بعظمتها وقضّها وقضيضها، كانت في حالة غير طبيعية هي الأخرى، فتركت الحبل على الغارب، وفسحت فخذيها ليلجها كل من هبّ ودبّ.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

