مع كل سادس عشر من ماي، يطرح سؤالان متقابلان يعبران عن رؤيتين مختلفتين في الجواب عن سؤال ماذا بعد تفجيرات الدار البيضاء الإرهابية: الرؤية الأولى، ترى أن الخطر لا يزال قائما، وأن خمائر التطرف والإرهاب موجودة في البنية الفكرية للتيار الديني، “التيار الديني” هكذا بهذا الإطلاق الذي يدفع بعض الحساسيات المعبرة عن هذه الرؤية تدعو الدولة إلى أن تحدث القطيعة مع بعض ثوابتها بزعم أنه لا لقاء البتة بين حداثة الدولة وبين أصوليتها، أما الرؤية الثانية، فترى أن الاستراتيجية المندمجة التي اعتمدها المغرب لمواجهة التطرف والإرهاب، قد أحرزت نتائج جد مهمة ساعدت في تفكيك الخلايا الإرهابية والقضاء على أطروحة “الجهاد المحلي”، في حين حالة الاستدراج والاستقطاب التي تغري الشباب المغربي للتوجه إلى سوريا تطرح تحدي مواجهة أطروحة “الجهاد المعولم”.
بالأمس القريب كانت هناك عدة قضايا تؤجج التدافع بين الرؤيتين، بعضها فكري يتعلق بنوع الاستراتيجية الفكرية المعتمدة في مواجهة التطرف والإرهاب، حيث برزت إلى السطح أطروحة الوسطية والاعتدال في مواجهة أطروحة الاستئصال، وبعضها الآخر، أمني حقوقي، يرتبط بسؤال تدبير العلاقة بين الأمن القومي، وبين الحفاظ على حقوق الإنسان في مواجهة التطرف والإرهاب، إذ برزت إلى السطح أيضا أطروحة مكافحة الإرهاب لا تبرر الإجهاز على الحقوق في مواجهة أطروحة الحفاظ على الأمن أولا، وبعضها الآخر سياسي أمني، مرتبط بشكل التعاطي مع الملف السلفي، وبالتحديد ملف معتقلي 16 ماي، إذ برزت إلى السطح أطروحة المصالحة والتسوية والإدماج في مقابل أطروحة القبضة الأمنية. والواقع أن التدافع بين الرؤيتين في كل مجال من هذه المجالات الثلاثة كان محتدا وقويا، وقد أخذ حظا لا بأس به من الزمن، ومن التوجهات في النتائج والمخرجات، لكن، على العموم، يبدو من نتائج هذا الحراك، أن قضايا التدافع قد تقلصت كثيرا، بفعل اقتناع الدولة في المستويين الأول والثاني، أي أنه لا خيار عن اعتماد الوسطية والاعتدال في مواجهة التطرف والإرهاب، كما أنه لا خيار عن الاستمرار في ترسيخ المنحى الحقوقي الديمقراطي للمغرب في مواجهة هذا التحدي وإن حدثت بعض الانزياحات على مستوى الممارسة. بمعنى، أن الذي بقي اليوم في ساحة التدافع هو موضوع واحد يتعلق بشكل التعاطي مع الملف السلفي، والذي تحاول فيه الرؤية الأولى التي خسرت مواقع كثيرة أن تتشبث بحجة تجنيد الشباب المغربي للقتال في سوريا لتضغط لمنع حدوث أي مصالحة أو انفراج أو مضي سلس نحو الإدماج الممأسس للسلفيين في المغرب. والواقع، أن هذه الحجة لا تضعف رؤية الإدماج والمصالحة، بل تقويها وتدعم عناصرها، فإذا كانت استراتيجية الدولة المندمجة التي فعلت المعامل الفكري والديني والحقوقي والديمقراطي والتنموي والأمني، ونجحت في إبطال مفعول الجهاد المحلي، فمعنى ذلك أن بإمكان تعزيز وتقوية نفس الاستراتيجية أن تبطل مفعول “أطروحة الجهاد “المعولم”، إذا تم توجيه البوصلة إليه، ومضاعفة الجهود نحوه، وإشراك مختلف الطيف الفكري والثقافي والإعلامي والديني للقيام بدوره في تقوية عناصر هذه الاستراتيجية، وتغيير بوصلة الفعل الديني نحو مكافحة هذا النوع الجديد من “الفكر الجهادي”. أن يقتنع الشباب المتطرف من منطلق ديني أن الجهاد ضد مؤسسات الدولة وشخصياتها أمر محرم شرعا ومجرم قانونا، فهذا كسب كبير ينبغي أن تتلوه خطوات أخرى قوية ومتتالية ومندمجة لإقناعه بأن الخروج من أرض الوطن ل”للجهاد” في أرض أخرى هو استدراج ومغامرة ومقامرة وسقوط في فخاخ الجهاد المعولم الذي لا يبتغي سوى نشر الفتنة وتخريب المنشآت وإضعاف الأمة أمام القوى الخارجية والمزيد من تجزئة المجزأ وخدمة مصالح الهيمنة الدولية. ساحة التدافع المتبقية اليوم، هي في هذا المربع، والتقدير أن بيد أطروحة المصالحة والتسوية والإدماج عناصر قوة أكبر تتمثل في الدور الذي يمكن أن يقوم به مشايخ السلفية والمعتقلون في محاربة هذا النوع من الجهاد “المعولم” الذي لم تستطع الاستراتيجية السابقة أن تقضي على بذوره. نعم، لقد أظهرت الوقائع أنه كما انهزمت أطروحة الاستئصال في المراحل السابقة، فإن تضاؤل الحجج التي تملكها وضعف البدائل التي تقترحها، تستدفع الدولة للاتجاه نحو أطروحة الإدماج والمصالحة والتسوية، وأن القضية ليست إلا قضية زمن، وأن التردد مهما طال، فسيؤول التفكير إلى الخيار العملي الناجع، والمتمثل في تعزيز عناصر الاستراتيجية المندمجة وتسوية الملف السلفي وطي هذا الملف نهائيا بخوض تجربة إدماج ثانية بعد إدماج الحركة الإسلامية. نعيد دائما نفس الطرح، ونقول، لا يهم شكل الإدماج، سياسيا أو مدنيا، ولا يهم أيضا السفينة التي يمكن أن تركبها الحساسيات السلفية، الذي يهم في هذه المرحلة، هو أن يتم طي هذه الصفحة، حتى يستأنس هذا المكون بعناصر البيئة القانونية والسياسية، ويرتبوا اوراقهم ووسائل عملهم باحترام لقواعد التعايش والاختلاف مع مكونات الطيف السياسي والمدني.
المصدر: بلال التليدي نشر في التجديد

