في كل فصول الصراع المفتعل حول قضية الصحراء المغربية، كان دائما الموقف الأمريكي موسوما بالحياد حفاظا على توازناتها الإستراتيجية الإقليمية، فهي تدرك، قبل كل شيء، أنه لا يمكن الاستغناء عن المغرب كحليف استراتيجي في المنطقة، لاسيما أن الإصلاحات التي شرع فيها منذ وصول الملك محمد السادس إلى الحكم سنة1999 فرضت نفسها بقوة على السياسة الخارجية الأمريكية، لكن بالمقابل لا تقدر على التخلي عن قوة اقتصادية-نقصد الجزائر- تتوفر على احتياطات مهمة من الغاز والنفط تماشيا مع سياستها المعروفة: السياسة بالمصالح لا بالعواطف.
هناك ملاحظة أساسية يمكن التوقف عندها في التعاطي الأمريكي مع قضية الصحراء المغربية وهي أنها تدرك أن جبهة البوليساريو لا تعدو كونها آلية في يد الجزائريين تحاول من خلالها فرض سياسة الأمر الواقع، وبيان ذلك أن الخارجية الأمريكية دائما ما تنظر إلى الصراع بكونه تجاذبا بين قوتين إقليميتين تسعيان إلى الهيمنة على شمال إفريقيا وعلى المنطقة الجنوبية لحوض البحر الأبيض المتوسط.
بطبيعة الحال، فإن مشروع القرار الأمريكي القاضي بتوسيع صلاحيات المينورسو ليشمل مراقبة حقوق الإنسان بالصحراء المغربية، قلب كل التوقعات، وطرح أكثر من علامة استفهام حول خلفياته وبواعثه الأساسية، خاصة أنه لم تكن هناك مؤشرات توحي على نحو ما أن الموقف الأمريكي إزاء قضية المغاربة الأولى، سيتغير. مهما تكن التخمينات، التي تشير جميعها، إلى أن أسباب اقتصادية محضة هي التي كانت وراء هذا الانعطاف المفاجئ للسياسة الأمريكية داخل مجلس الأمن الممتلك زمام القرار السياسي بشأن ملف الصحراء، فإن الرسالة التي بعثها الملك محمد السادس إلى الرئيس الأمريكي باراك أوباما، أعادت الأمور إلى نصابها، وذكرت الأمريكيين بأن تغيير الموقف يمس بالوحدة الترابية للمغرب ويمس، قبل أي شيء، العلاقات المتينة بين البلدين.
على العموم انتهى سوء الفهم الكبير بين المغرب وأمريكا، وذاب جليد الخلاف بعد الموقف الأمريكي، وتوج الانفراج بزيارة قام بها الملك محمد السادس إلى أمريكا خلال الشهور الماضية. الزيارة التي وصفت بالتاريخية، لم تكن لتغفل التطرق إلى قضية الصحراء، وكان البيان المشترك الذي صدر عن القمة بين الملك محمد السادس وباراك أوباما قويا في مضامينه إلى درجة أن بعض المحللين اعتبروا نص البيان بمثابة انقلاب واضح للسياسة الأمريكية تجاه قضية الصحراء.
نقرأ في نص البيان: «تعهد الرئيس بمواصلة دعم الجهود الرامية إلى إيجاد حل سلمي ودائم ومقبول من لدن الأطراف لقضية الصحراء. وتماشيا مع السياسة الأمريكية الثابتة على مدى سنوات عديدة، فإن الولايات المتحدة أكدت، بشكل واضح، على أن مخطط الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب هو مقترح جدي وواقعي وذو مصداقية، ويمثل مقاربة ممكنة من شأنها تلبية تطلعات ساكنة الصحراء إلى تدبير شؤونها الخاصة في إطار من السلم والكرامة»، مضيفا في نفس السياق «وأكد الرئيس أن الولايات المتحدة تدعم المفاوضات التي تشرف عليها الأمم المتحدة، بما فيها عمل المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة كريستوفر روس، وناشد الأطراف العمل من أجل إيجاد حل سياسي. وأكد القائدان، مجددا، تشبثهما المشترك بتحسين ظروف عيش ساكنة الصحراء، والعمل سوية على مواصلة حماية حقوق الإنسان والنهوض بها في المنطقة».
نص البيان واضح، لا يحتمل الكثير من التأويل، ويحمل تأكيدا للموقف الأمريكي السابق الذي جاء على لسان هيلاري كلينتون، الكاتبة السابقة في الخارجية الأمريكية حينما اعتبرت مقترح الحكم الذاتي مقترحا يحظى بالجدية والمصداقية بمعنى أن المقترح المغربي آلية قابلة للتفاوض وكسرت الكثير من الجمود الذي طبع قضية الصحراء المغربية، بيد أن السؤال المطروح في هذا الصدد: هل تقدر الولايات المتحدة الأمريكية على ترجمة هذا الموقف على أرض الواقع؟
الأكيد أن التطورات التي عرفتها إفريقيا جنوب الصحراء، لاسيما في مالي، ستجعل أمريكا تعيد الكثير من حساباتها بالمنطقة بالنظر إلى الحضور القوي الذي بات يتمتع به المغرب في المنطقة وقدرته على إحداث الاختراق السياسي، ومن ثم ليس من مصلحة أحد أن يفخخ الأوضاع الإقليمية في المنطقة أمام تزايد المخاطر الإرهابية القادمة من دول الجنوب. البعض يرى أن القرار الأخير الذي صدر عن مجلس الأمن، والذي وجه صفعة قوية للجزائر ومعها جبهة البوليساريو يشكل تحولا جديدا في التعاطي مع الملف من لدن الولايات المتحدة الأمريكية.
لقد رأى الجميع كيف أن الديمقراطية الجزائرية أفرزت رئيسا غير قادر حتى على أداء اليمين الدستورية، ورأى أيضا أن المغرب استطاع أن يكون بمأمن عن الصراع الدموي الدائر في الكثير من المناطق العربية في اللحظة الراهنة، ورأى أيضا أنه ماض في سبيل ترسيخ أركان تجربته الديمقراطية رغم كل التوعكات التي تصيبها بين الفينة والأخرى. صحيح أن القوى الكبرى التي تمتلك القرار السياسي لا يعنيها كثيرا مثل هاته الإصلاحات بقدر ما تهمها المصالح الاقتصادية الثابتة، لكن صحيح أيضا أن الاستراتيجيات العالمية الجديدة تنطلق من نقطة أساسية: الشريك الأساس هو القادر على ضمان الاستقرار.

