تفشت ظاهرة الكراء بالرهن في أوساط الماكين للعقارات في عدد من المدن المغربية كوسيلة تحصيل مبالغ مالية على شكل قروض مقابل تخفيض سعر كراء العقار، و يلجأ إليها المستهلك لمواجهة ارتفاع أسعار الكراء، وبالرغم من أن القانون صريح في تجريم هذه المعاملات على اعتبار أنه يجسد تمويلا ماليا يحصل بمقتضاه المالك على رأسمال معين يوظفه هذا الأخير للاستثمار في التجارة والربح، أو تهيئة عقار آخر، على شكل قرض بفائدة غير معلنة حيث يستفيد دافع تلك المبالغ المالية من سومة كرائية منخفضة.
في قضية اليوم، ارتأينا أن نتوقف عند موضوع رهن المنازل، ماذا يعني الكراء بالرهن؟ ما شكل التعاقد الذي يحدث بين المكري والمكتري؟ وكيف يتم التلاعب بالقانون إذا كان الفصل 870 من قانون الالتزامات والعقود قد أكد أن اشتراط الفائدة بين المسلمين باطل ومبطل للعقد الذي يتضمنه سواء جاء صريحا، أو اتخذ شكل هدية أو أي نفع آخر للمقرض أو لأي شخص غيره يتخذ وسيطا له. ماهية الرهن في السكن الرهن كما هو متعارف عليه، قيام مالك عقار بإسكان شخص بعقاره مقابل منحه مبلغا ماليا معينا، وأداء سومة كرائية رمزية مع التزامه بإفراغه العين المكتراة بمجرد انتهاء المدة المتفق عليها في العقد، هو نوع من الكراء، لكن بمواصفات ووثائق وحسابات مغايرة، و هو في الواقع قرض بفائدة، وفي هذه الحالة يخضع للقواعد العامة المنصوص عليها في قانون الالتزامات والعقود في الفصل 871 وما يليه، كما أنه يتداخل أحيانا مع عقد الكراء، لكون المكتري يضع في هذا الرهن مبلغا كبيرا كضمانة مقابل تخفيض السومة، وبما أن “السومة” هي خاصية عقد الكراء فيمكن تكييف العقد على أنه كراء لكن يجب رد الضمانة في حالة الخلاف بين المكري والمكتري على اعتبار أنها باطلة قانونا، وقد تكيف كعقد دين مقابل استغلال محل. انتشر بفعل العرف ورضى الناس كما يجري به العمل في مراكش بالخصوص عن طريق التعاقد، كما يتم التعامل به في بعض المدن إلا أنه يقع ألا يفي أحد الطرفين بشروط العقد الموقوفة، وقد يرهن المرتهن للغير دون إذن صاحب العقار الحقيقي، أو يطالب المستفيد من الكراء بالرهن بدين الرهن قبل حلول أجله وفي هذه الحالات يلجأ الطرفان إلى القضاء مما يثير عددا من الإشكالات القانونية. تلاعب بالقانون يقوم الرهن على أساس وثيقتين يتم التوقيع عليهما من طرف المكري والمكتري ويتم التصديق عليهما من طرف المصالح المختصة على مستوى المقاطعة. بالنسبة للوثيقة الأولى فهي عقد إبراء، يشهد فيه المكري بأن المكتري يسكن بمنزله ابتداء من تاريخ محدد إلى غاية تاريخ آخر يتم تحديده في العقد وذلك بدون مقابل. في عقد الإبراء يتم تسجيل جميع المعلومات، الإسم الكامل للمكري وللمكتري وتاريخ الولادة ورقم البطاقة الوطنية، وعنوان السكن، ويتم تذييله بعبارة “بهذا أشهد وأوقع. وحرر له هذا الإبراء ليكون حجة علي”، ويقوم المكتري بالتوقيع على هذه الوثيقة مع إثبات مكان وتاريخ التوقيع. وبالموازاة مع عقد الإبراء، يحرر المكري والمكتري عقدا آخر يتعلق بقرض، وهو عقد يتم بين “المدين” و”الدائن”، يتم تضمينه جميع المعلومات الخاصة بالطرفين، إسمي المعنين، تاريخ الولادة، رقم بطاقة التعريف الوطنية، عنوان السكن، كما يحدد المبلغ المتفق عليه كسلف، مدة السلف، وتاريخ الأداء، كما يتضمن توقيع المعنين “المدين والدائن” مع إثبات مكان وتاريخ التوقيع، كما يشار في رأس الصفحة التي يحرر فيها العقد إلى الفصل 856 من قانون الالتزامات والعقود الذي ينص على أن “عارية الاستهلاك أو القرض عقد بمقتضاه يسلم أحد الطرفين للآخر أشياء مما يستهلك بالاستعمال أو أشياء منقولة أخرى، لاستعمالها، بشرط أن يرد المستعير، عند انقضاء الأجل المتفق عليه، أشياء أخرى مثلها في المقدار والنوع والصفة”. ********* تعليق فؤاد الزغموتي، محامي بهيئة الرباط على المستوى العملي، هناك صنفين من التعاملات بين المكري والمكتري، يعمل الطرفان على تحرير عقد الرهن، أو تحرير عقد كراء بالسومة الرمزية مقابل تحرير وثيقة ثانية كاعتراف بالدين يشمل ثمن الرهن، وهي العملية الأكثر رواجا بين المواطنين، بالرغم من كونها تطرح عدة إشكاليات على مستوى الواقع خصوصا عندما تنتهي المدة، ويضع مالك العقار مبلغ الرهن بين يدي المرتهن في حين يمتنع هذا الأخير عن إفراغ المحل المرهون، أو حين تنتهي المدة ولم يسدد مالك العقار للمرتهن مبلغ الدين، حينها يجد المكري نفسه أمام مشكل قانوني باعتبار التعامل الذي قام به يشكل صورة تعاقدية مزدوجة لأنها تثير إشكالا واضحا ينجم عن التطبيق الانتقائي لأحكام متنوعة لعقود مختلفة من أجل تحديد العلاقة بين طرفي العقد، ويمكننا هنا طرح سؤال: هل الأمر يتعلق بعقد كراء محل سكني وبالتالي ما مدى مشروعية دلك الأداء المالي المسبق؟ أم أن الأمر يتعلق برهن حيازي خصصت فيه العين المكتراة لضمان أداء مبلغ القرض وهنا نكون أمام تساؤل آخر حول الأساس القانوني لانتفاع المرتهن حيازيا بسكنى المحل، هل يقوم ذلك الارتهان مقام الفائدة في القرض خاصة وأنه مترتب عن عقد سلف خالص وليس عن معاملة أخرى أم أن الأمر يتعلق بعقدين منفصلين بينهما، وهما اعتراف بدين على وجه البر والإحسان وعقد كراء المحل سكني ومن تم هل تعتبر السومة الكرائية الزهيدة أم عدم وجود بدل أصلا ووجود علاقة قرض بين نفس طرفي العلاقة الكرائية دليلا أو قرينة على تبوث القرض بفائدة؟ استنادا إلى ذلك نعتقد بأن هذه الممارسة وعلى مستوى النظر القضائي أمام المحاكم تبقى مسألة تكييف ترتبط بدراسة كل عقد على حدة، من أجل تمييز السند القانوني لاعتبار (المقرض-المكتري-المرتهن) للمحل السكني، هل هو عقد كراء أم عقد رهن والتأكد من توافر موجبات ذلك، من خلال سعي كل طرف إلى نفي ما يحاول الطرف الآخر إثباته كسند قانوني للتواجد بالمحل، خصوصا وأن أهم النزاعات القانونية التي تعرض على المحاكم مرتبطة بالأساس بإفراغ المحل السكني، وذلك عندما يطلب “المقترض المكري”، من “المقرض-المكتري” إفراغ المحل، فيمتنع هذا الأخير إما بسوء نية أو لعدم توفره على المال. وهكذا فإن الصور التعاقدية ونظرا لكونها تتأسس على تداخل أحكام قانونية مختلفة من كراء ورهن حيازي وقرض. والصورة الشائعة على مستوى الممارسة هي ازدواجية العقد وإن كانت هذه العملية في مجملها تتضمن حقيقة شبهة القرض بفائدة، والمتمثلة في استفادة المكتري من الفرق يين السومتين الحقيقيتين والمؤداة فعليا، وهذه الصورة لا تتضمن أية مخالفة للقواعد العامة أما إذا كانت موحدة فإن القانون يتصدى لها استنادا إلى المادة 20 من القانون المتعلق بالعلاقات التعاقدية بين المكري والمكتريللمحلات المعدة للسكن أو الاستعمال المهني التي تنص صراحة على أنه “لا يمكن أن يزيد مبلغ الضمانة على واجب شهرين من وجيبة الكراء..”وبالتالي فالعقد الذي يرتبط بالقرض باطل ومشروعية هذه الممارسة لا يمكن أن تتأسس إلا من جهة مراعاتها للقواعد العامة وليس باعتبارها عرفا مستقرا له أولوية التطبيق استقلالا عن تلك القواعد.
المصدر: سناء كريم نشر في التجديد

