أصبح الخلاف بين السعودية وقطر في الأيام الأخيرة يتصدر واجهة الأحداث ويقضم ما تبقى من الاهتمام بالملف السوري العالق. وهذه أحدث ثنائية عربية في منطقة الشرق الأوسط منذ ثنائية البعث في سوريا والعراق في العقود الماضية، ذلك أن الوهابية اليوم في كلا البلدين صارت عنوانا لصراع أكثر عمقا يتداخل فيه السياسي والديني والاستراتيجي، الإقليمي والدولي.
ويخطئ من يرى في خلاف كهذا عربونا على الخلاف حول الدفاع عن الانفتاح السياسي في المنطقة العربية أو الحفاظ على جذوة الربيع العربي، لأن المنبع الذي تصدر عنه هذه الخلافات لم يشكل يوما نموذجا يحتذى -أو لا يحتذى- في الانفتاح السياسي والديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الاختيار، وإنما هو المال النفطي وقد ضاق به أولئك الذين يفيض تحت أرجلهم فبدؤوا يفكرون في تحويله إلى ثقل سياسي، عربيا.
فدولة قطر لا يهمها من الربيع العربي سوى ما يتعلق منه بالنيل من المملكة السعودية التي ترى الدوحة أن وصايتها على أمن الخليج السياسي قد طالت أكثر مما ينبغي، وأن الأوان قد آن لإعادة توزيع النفوذ في المنطقة بما يضمن لكل عضو نصيبا من السلطة بعيدا عن منطق الأخوة العشائري القديم الذي يقسم الأفراد إلى البكر وأشقائه الأصغر منه. وقد فهمت منذ وقت مبكر أن الثقل السياسي السعودي في المنطقة وفي العالم العربي كان يستند إلى العنصر الديني، وأساسا التيار السلفي التقليدي الذي هيمن على الساحة الفكرية -ومن ثمة السياسية- ردحا من الزمن على طول العالم العربي. ولذلك لمحت في الربيع العربي كوة قد فتحت على غير موعد فقفزت منها لتفرض نفسها لاعبا قويا يسعى إلى تغيير قاعدة المحاور التي كانت متبعة، مدركة أن مناكفة النفوذ السعودي غير ممكنة إلا من مدخل الدين نفسه، من خلال التيار الإخواني الذي يعتبر الخصم الطبيعي للتيار السلفي. وبينما اعتبرت المملكة السعودية الربيع العربي خطأ ما كان يجب أن يقع، رأت فيه قطر فرصة ذهبية تأخرت كثيرا.
ولا حاجة إلى القول بأن الحرب الباردة قد انتقلت اليوم إلى داخل العالم العربي، وأن قطبيها الاثنين أصبحا قطر والسعودية. واليوم هناك انقسام، ليس في السياسات فحسب، بل أيضا في الثقافة والإعلام والفكر، بين «اشتراكية» قطر و»رأسمالية» السعودية. لكن خلف هذا الاختلاف في الشكل هناك توافق في الجوهر، لأن الهدف النهائي للطرفين معا ليس انتصار الديمقراطية في العالم العربي -طالما أنهما معا يفتقدانها- بل تسجيل نقاط على الخصم وهزيمته في ساحة المواجهة، فالصراع بين الطرفين اليوم هو تعبير عن تصريف خلاف قبلي بأساليب الدولة الحديثة.
وليست المملكة السعودية أقل حظا من قطر في ما يتعلق بخلفيات هذا الصراع، ذلك أن خلافها مع جماعة الإخوان المسلمين ليس خلافا فكريا أو دينيا بل هو خلاف سياسي، فقد رعت الجماعة ووفرت لها الدعم والتغطية السياسية طيلة عقود منذ صراعها مع النظام الناصري في مصر وبعده، ومنحتها جرعة من السلفية نتيجة احتكاكها بالفكر السلفي داخل السعودية، وإن كانت قطر قد بقيت تحتفظ ببعض الأوراق الاحتياطية توقعا للتحولات الطارئة، مثل الشيخ القرضاوي الذي ظل مقيما بالدوحة منذ بداية الثمانينيات من القرن الماضي، والذي يقال اليوم إنه هو من يقف وراء «انقلاب» الإخوان على المملكة، منذ فترة طويلة سبقت الربيع العربي.
لكن ما يخشاه الكثير من المراقبين هو أن يرهن هذا الصراع بين البلدين الأوضاع السياسية العامة في العالم العربي لفترة طويلة مقبلة، خصوصا مع الأخذ في الاعتبار معطى يتعلق بغياب محور عربي -خارج منطقة الخليج- يمكنه أن يلعب دور الموازنة، وأيضا في ظل الضعف الشامل أو الشلل الذي تعيشه مؤسسة الجامعة العربية التي يمكن أن تلعب دورا مفترضا في توحيد المواقف والسياسات.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version