ما زالت الوقفة التي كان القضاة ينوون تنظيمها أمام وزارة العدل ببدلاتهم تثير الكثير من الضجيج كما تثير الكثير من الأسئلة، وبالقدر الذي تحدث فيه البعض عن حق القاضي في التعبير عن رأيه تحدث الآخرون عن “واجب التحفظ” اللازم توفره في حامل البذلة، وخاصة بذلة القاضي، الذي لا يمكن أن يُسمح له بالخروج إلى الشارع كأي موظف ينتمي لأي نقابة يريد. ومن بين الأسئلة الأكثر دقة المطروحة في هذا الباب سؤال استقلالية القاضي عن المؤسسات والأحزاب والتنظيمات. فلا يُعقل أن يتم الحديث بوفرة عن استقلال القضاء عن باقي السُّلط وأساسا السلطة التشريعية والتنفيذية دون الحديث عن استقلاله عن التنظيمات السياسية والنقابية ومنظمات المجتمع المدني. فعندما قرر القضاة الخروج للشارع ببذلاتهم وتوصلوا بقرار منعهم من السلطات الإدارية للرباط، حماية للأمن العام وضمانا لسلامة القضاة التي قد تكون مهددة من قبل بعض الجهات، وجدوا أن الذين وقفوا إلى جنبهم هم الأحزاب والجمعيات السياسية ذات الطابع الراديكالي والتي لا يعجبها شيء في المغرب سوى أن يكون خرابا، وهي الأحزاب والجمعيات التي ساندت تخريب بلدان كاملة كليبيا حتى لو كان ذلك بتدخل أجنبي، هذه هي المنظمات التي ساندت وقفة القضاة. يعني أن من ساند وقفة القضاة ببذلاتهم هم المنظمات التي لا ترغب في الاستقرار وهي المنظمات التي لا ترضى بالمؤسسات بما فيها مؤسسة القضاء التي ينتمون إليها، فهم لا يدافعون عن استقلاليتها بقدر ما يريدون انهيارها، لأن الاستقرار لا يخدم أجندتهم ولا يخدم مصالحهم. فاليوم مع من سيكون القاضي المفروض فيه الاستقلالية؟ هل سيكون مع القانون ومع الحق أم مع من سانده ودعمه؟ لنفترض أن خصومة سياسية وقعت في البلد وكان أحد أطرافها حزب أو جمعية من المنظمات التي وقعت إلى جانب القضاة مطالبة بحقهم في الخروج بالبذلة الرسمية. فلا نتصور أن القاضي سيحكم بالعدل في النهاية. فالقاضي هنا سينحاز للجهة التي دعمته وساندته في الشارع وبالتالي سيكون هذا على حساب الطرف الآخر حتى لو كان هو صاحب الحق وكان هو المتضرر. إذن نحن اليوم أمام معضلة خطيرة تتعلق بضمان استقلالية القضاء التي هي موضوع مطالب القوى السياسية منذ زمان طويل، وهي التي جاء بها الدستور الجديد الذي أقر استقلالية المجلس الأعلى للسلطة القضائية حتى لا يكون القضاة عرضة لأي مؤثرات خارجية، وتمت أخيرا تسوية وضعية القضاة بما يضمن توازنهم المالي وكانت أكبر زيادة عرفتها الأجور في تاريخ الوظيفة العمومية بالمغرب. فالخوف كل الخوف على القاضي من ألا يكون مستقلا وأن يكون تابعا، وهناك اتجاه نحو استقلالية النيابة العامة بصفة نهائية عن وزارة العدل، فكيف يُعقل أن يتم دعم استقلال القضاء عن السلطة التنفيذية والقبول بتبعيته للأحزاب والمنظمات السياسية بدعوى الدعم والمساندة؟
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

