في بلد الأنوار والحداثة والقيم الديمقراطية يتدخل رئيس الجمهورية فرنسوا هولاند شخصيا لأمر وزير الداخلية ايمانويل فالس بالتأكيد على منع عروض فنان فرنسي ساخر بكل أرجاء البلد. وأكثر من ذلك يأخذ حكم المنع صبغة قضائية بعدما كان إداريا فقط، بعد قرار المحكمة العليا الفرنسية (مجلس الدولة) بمنع عرض برنامج “الجدار” للمسرحي الساخر ديودوني مبالا مبالا مخافة ان يتضمن إشارات ساخرة لليهود، وهو الذي سبق وان أدين سبع مرات بتهمة معاداة السامية وعشرين حكما آخر ببراءته من نفس التهمة .
محاموا ديودوني اعتبروا المنع انتهاكا لحرية موكلهم في التعبير في بلد حرية التعبير، فيما اختلف الفرنسيون الى فريقين الاول مع حكم المنع وعلى راسه وزيرة الثقافة الفرنسية أوريليه فيليب وبرنار هنري ليفي لان مايقدمه ديودوني كراهية والثاني ضد المنع احتراما لحرية التعبير. بالطبع سبق القرار سواء الاداري او القضائي دعوات مقاطعة لعروض ديودوني وجولته من ممثلي الجالية اليهودية والآلة الاعلامية، ومع ذلك كان الاقبال على شراء تذاكر حضور العرض كبيرا كما حوا لحال بمدينة نانت 5000 تذكرة قبل قرار المحكمة العليا. اما ديودوني فيعتبر نفسه ضحية رقابة من السلطة بسبب أفكاره التي يقول ان لاكراهية فيها ابدا لليهود وانه ” ضد الصهيونية التي تستمد وجودها من كلمة معاداة السامية التي ترعب الناس” وانه ليس وحده ضد الصهيونية بل كثير من اليهود في العالم يشاركونه هذا الرأي والنضال، وانه انتقد في عروضه التطرف الديني المسيحي والاسلامي واليهودي. ولذلك يختلف تقييم عروض الرجل تختلف بين الطائفة اليهودية نفسها من بلد الى بلد، فالطائفة بفرنسا وفي جانب كبير منها اعتبرت عرض “اعتذاراتي” مثلا مستفزا ، بينما لم يعترض عليه المجلس اليهودي العالمي بكندا ولم يعتبره عنصريا. باختصار شديد جدا فرنسا ترفض اي انتقاد سواء كان لليهود او الصهاينة وسواء كان بالحق او الباطل وتعتبره خطا احمر لايمكن القبول بتجاوزه نقطة رجوع للسطر، ولايهم ان كان ذلك يتعارض مع مبادئ حرية التعبير او الحداثة والقيم الكونية.. بالمقابل تعرض الدين الاسلامي و الدين المسيحي أحيانا للانتقاد الظالم والتشويه والافتراء في الاعلام واحيانا من سياسيين وفنانين بدون اي منع او ردع اداري او قضائي من قبيل الرسوم المسيئة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين بدعوى حرية التعبير. طبعا معروف ان اللوبي الصهيوني في فرنسا كان وراء منع كثير من الانشطة الفنية ومتابعات وحملات ضد صحفيين ومفكرين واشهرهم رجاء جارودي رحمه الله. وفي كل الأحوال هذا شأن فرنسا والفرنسيين وهم احرار في بلدهم التي لم تعبأ حتى بإدانة المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، وقول رئيس لجنة حقوق الإنسان بفرنسا بيار تارتاكوسكي إن “منع ديودوني بقرار من مجلس الدولة سيكون له عواقب وخيمة من الناحية القانونية، فيما يخص حرية التعبير”. لكن مايعنيني ومايحز في النفس هو ان “علمانيي” و”حداثيي” و”ليبراليي” العالم العربي لايستوعبون هذا الدرس وغيره في دول غربية أخرى، وبلعوا ألسنتهم ولم يعلّقوا على ما فعلت فرنسا بحق الفنان ديودوني ومنع عرضه ممارسة بذلك الرقابة والوصاية على الفرنسيين وكانهم قصر لايميزون. ولم يتباكى علمانيونا ولا اعلامهم على حرية التعبير وحقوق الانسان لانه ذلك ببساطة ينسف منطقهم نسفا، فلكل بلد قيمه وخطوط – معقولة او غير معقولة اتفقنا او اختلفنا معها- لا يسمح بمسها او تجاوزها اما بنصوص قانونية او قرارات ادارية او سياسية يقبل بها المجتمع أو غالبيته ولايعترض عليها بمبرر حفظ للنظام العام. علمانيونا المتطرفون وليبراليونا وحداثيونا المتشددون لايستطيعون انتقاد فرنسا ، لانهم تلاميذ غير نجباء، و يدوسون او يدافعون عن كل من يدوس ثوابت المجتمع وقيمه،ضاربين عرض الحائط قوانين بلدانهم ومقتضيات الدستور بدعوى حرية التعبير، ويتشدقون بأولوية القيم الكونية وسموها على التشريعات والقوانين المحلية حتى ولوكانت احكام دينية قطعية، كالدعوة لمراجعة أحكام الارث ومنع (وليس تقييد) تعدد الزوجات، وغيرها من الدعوات من جهات واطراف جمعوية أخرى كالدعوة للسماح بافطار رمضان علانية وغيرها كثير. وأصحاب هذه الدعوات يعرفون انه رغم نفوذهم وردحهم الإعلامي، لن يستطيعوا اقناع المجتمع بدعواتهم بعد افلاسهم وفشلهم السياسي، ولكنهم يحاولون خلق ضجيج يغطي على ذلك الفشل وحالة البؤس المزرية التي وصلوا اليها.
المصدر: محمد عيادي نشر في الرأي المغربية

