لا يسع المواطن إلا أن يعبر عن ارتياحه وهو يتابع ما يمكن أن نسميه عملية “الأيدي النظيفة” التي شرعت فيها وزارة الداخلية بخصوص حملة التطهير التي تعرفها الجماعات المحلية التي لاشك أنها ستطيح برؤوس قد أينعت وحان قطافها، خاصة أن الصحافة الوطنية تحدثت عن رؤوس أخرى ستنضم إلى رؤوس سابقة تمت تنحيتها في وقت سابق. إن ما يهم في قرار الداخلية، بتنحية الرؤوس التي يثبت أنها فاسدة، ليس فلانا أو علانا بقدر ما يهم استمرار جدية العملية واستمرارها، خاصة إذا كان قرار إسقاط الرؤوس مبررا، بالشرع والقانون، بوجود تجاوزات أو شطط في تسيير الشأن الجماعي خلال ممارسة المهام. المواطن يتطلع من وراء عملية “الأيدي النظيفة ” التي تباشرها وزارة الداخلية إلى أن يرى الجماعات المحلية المغربية نظيفة فعلا. ومن أولى شروط هذه النظافة اختيار الأشخاص المناسبين لقيادة الشأن المحلي. وهذا من مسؤولية الأحزاب الوطنية التي تتمثل في منح تزكيتها خلال عملية الترشح للانتخابات الجماعية. ولن نأتي بجديد إذا قلنا إن عددا من الأحزاب توزع التزكيات لكل من هب ودب، ومن تم فإن عددا من المرشحين يصبحون أباطرة مباشرة بعد تربعهم على كرسي الرئاسة، وأن عددا منهم لا يعرفون معرفة حقيقية لتاريخ وجغرافية الجماعة التي يديرون شؤونها، وجزءا منهم لا يهمه من العمل الجماعي سوى مصلحته الضيقة أو الواسعة على حساب مصالح الجماعة وسكانها. أما قمة “خروج العقل” فحين تجد نفسك أمام رئيس “لا يفرق بين الألف والزرواطة”. وحينذاك فلتبك عليك البواكي. وإذا كانت مسؤولية الأحزاب واضحة في هذا المجال، فإن مسؤولية الحكومة، من خلال وزارة الداخلية، تكمن في تقعيد معادلة “ربط المسؤولية بالمحاسبة” وليس بترك الحبل على الغارب حتى “تقع الفاس في الراس”، فيتم الإسراع بإيفاد لجان التفتيش والمراقبة هنا وهناك وتعد تقارير عن التجاوزات والمخالفات في تسيير وتدبير العمل الجماعي، وترفعها إلى الجهة الوصية. وكفى. وليس هناك مبرر لتقاعس الحكومة في هذا المجال. فذاك من صميم عملها الذي منحه الدستور الجديد قوة ومناعة لكي لا تقف العملية عند “ويل للمصلين.” لقد ضج المواطنون من مظاهر الفساد التي تنخر أكثر من جماعة. وعكست الصحافة الوطنية آراءهم ومطالبهم التي تتمحور حول ضرورة تنظيف وتطهير الجماعات المحلية من الرؤوس أو الأيدي التي تعيث فسادا فيها، ولا يهمها لا الوطن ولا المواطن. وقد جاء الوقت لإفهام هذه الكائنات التي وجدت نفسها بين يوم وليلة على رأس الجماعات بأن المغرب تغير وتطور، وبالتالي لم يعد يسمح لأي كان أن يعيق هذا التغير والتطور من خلال تصرفات وسلوكات عفا عنها الزمن. إن الرأي العام يشرئب وليس فقط يتطلع لرؤية عملية تطهير واسعة في مجال الحكامة المحلية، المجال الذي يعرف الجميع أنه عامر بالتجاوزات والانحرافات التي يلاحظها ويتابعها ويعيشها الرأي العام يوميا. ولا شك أن صدقية هذه العملية ستعيد الثقة والاطمئنان إلى نفوس المواطنين الذين يكونون أولى ضحايا التجاوزات والانحرافات أو الاختلالات التي شرعت الداخلية في التصدي لها، وفي نفس الوقت سيكون هؤلاء المواطنون أول المساندين والمؤيدين لهذه العملية. من هنا، لا بد من أن تكون المحاسبة على قدر المسؤولية، وبالتالي تقديم الملفات التي تثبت وجود تلاعب وغش وتدليس إلى العدالة. ومن هنا أيضا تبدأ المحاربة الحقيقية للفساد التي نتمنى أن تكون الشعار الرئيسي على طول السنوات إلى أن تستقيم الأمور بالشكل الذي يخدم مصالح الوطن والمواطنين أولا وأخيرا، مع العمل على تجنب تجربة النسخ السابقة من حملات التطهير التي لم تسمن ولم تغن من جوع.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

