كل نقمة في طيها نعمة . هكذا يقول المثل . هكذا تم احتساب رفض مجلس المستشارين لمشروع القانون المالي، وكأن ما قامت به هذه المؤسسة الدستورية سبة وعار في حق الوطن، في حين أنها مارست صلاحية من الصلاحيات التي يخولها لها الدستور.
الديمقراطيون اعتبروا ما قام به مجلس المستشارين عملا صحيا وصحيحا،وأن هذا من نعم الديمقراطية الحية ،وأن المعارضة مارست حقها المكفول بقوة القانون . أما الديكتاتوريين فلم يروا في رد البضاعة إلى أصحابها سوى أنها نقمة على البلاد والعباد. ذلك أن السيد رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران لا يقبل من يرد إليه بضاعته حتى ولو كانت فاسدة . ومن تم عاب على نواب مجلس المستشارين وقوفهم على طبيعة المادة ليكتشفوا أنها مغشوشة فردوها إلى أصحابها الذين هم أول من يقول ويردد “من غشنا ليس منا”.هذا كل ما في الأمر.
الغرفة الثانية تجرأت على إسقاط المشروع المذكور لأن تركيبتها تتشكل من هيئة الناخبين الكبار. وبنكيران الذي يفقه في كل شيء لم يعرف أن هذه المؤسسة تتكون من ممثلي الغرف المهنية والمأجورين ورجال المال والأعمال ، وأسقطوا مشروع قانون المالية لأنهم أدرى بشعابه ، وهم الأقرب للفلوس وأمور الميزانية وخبايا “الخابية” . وحين شعر بنكيران أن يد القوم وصلت إلى قاع “الخابية”، لم يعجبه الحال فأرغد وأزبد، وشرع في تأديبهم بطريقته الخاصة حين أوضح أنه فسح لهم المجال ل”التبوريدة” ،علما أن “التبوريدة” لها مجالها وليس هذا مكانها إلا إذا كان بنكيران قد اختلط عليه الأمر ويتخيل نفسه تحت الخيام يتابع “تبوريدة” الفرسان .
الفرسان هذه المرة كانوا هم المستشارون في مقام دستوري يستوجب الاحترام وليس “التفرعين” على هؤلاء البرلمانيين الذين هضموا الإهانة على مضض ليردوا عليها بأحسن منها بالطريقة التي تفرضها الديمقراطية.
إنها الديمقراطية التي سمحت لبنكيران أن يتبوأ المقعد الأول في الانتخابات ،ومنهجيتها هي التي أتاحت له قيادة الحكومة .وهي أيضا نفس الديمقراطية التي سمحت للبرلمانيين ،ولنا نحن الإعلاميين، وللناس أجمعين ، باكتشاف ديكتاتورية بنكيران :أنا الذي سمحت لكم ب”التبوريد”. أنا الذي أهتم بوضع”الهجالات”. أنا الذي خفضت من ثمن “البنان”. أنا الذي نبهت المواطنين إلى قيمة “الغاسول” بعد أن نسوه. أنا “وحدي نضوي البلاد”. أنا الذي جئت لأعتق البلاد من الفساد. أنا…أنا…
يحكى في هذا الصدد أن بنكيران طلب في يوم من الأيام من الخازن العام بأن يصرف أجور الموظفين ولم يكن قد تم تنصيب الحكومة بعد ولا إقرار قانون المالية الأول . الخازن العام رفض تلبية الطلب لأنه لا شيء يسمح له بذلك كما يتوهم بنكيران . والمسألة ليست أمرا ونهيا بقدر ماهي مسألة مرتبطة بقوانين ومراسيم ومساطر .وبقية التفاصيل في رأس بنكيران، رئيس الحكومة ،وبنسودة الخازن العام .
من هنا بزغت ديكتاتورية بنكيران الذي كشف عن وجهه أمام المستشارين بأنه ديكتاتوري … صغير. لو كان ديكتاتورا كبيرا لتحول إلى ديناصور. ولو كان ديناصورا لابتلع الجميع. ولا مآل للديكتاتوريين، كانوا كبارا أو صغارا، إلا السقوط.
المهم، الحمد لله الذي سقى عبده وبهيمته ونشر رحمته وأحيى بلده الميت.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

