فجأة انسل وفد من حزب “البام” ليجوب ربوع الوطن العربي ويعلن من بعيد أنه بصدد عقد ” سلسلة من الاجتماعات بعدد من الدول الشرق أوسطية للتحضير لإنشاء “جبهة ديمقراطية حداثية في مواجهة المشاريع الشمولية ” على مستوى الوطن العربي”. وأضاف بلاغ لحزب “الجرار” أن الوفد التقى كلا من “الرئيس الفلسطيني ، والأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ، وعضوة بالمكتب السياسي للجبهة الشعبية، وقياديين بأحزاب أردنية هي حزب (حشد) وحزب (الوحدة الأردني) و(الحزب الشيوعي) فضلا عن أحزاب أخرى ديمقراطية حداثية أردنية وفلسطينية ، وشخصيات نقابية وسياسية”. وترقب البلاغ أن تشمل الجولة “لقاءات بلبنان ومصر والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا”.
اهتمام “البام” بتشكيل “جبهة” لمواجهة ما سمي بالمشاريع الشمولية في هذه الظرفية ليس من باب الترف السياسي، بل أملته متغيرات يرى الحزب السلطوي، بذكاء المخزن المعهود، ضرورة الإسراع في انتهازها لأنها تتيح له الفرصة التاريخية لتحقيق عدة أهداف قد لا تتاح في غيرها. ولعل أهم تلك الأهداف التي توحي بها طبيعة المشروع، إيجاد إطار فوق وطني لإعادة التموقع في الخريطة السياسية من خلال تزعم جبهة دولية لمواجهة الخصم التقليدي المتمثل في الإسلاميين. والهدف الثاني هو تعويم مشروع الاستئصال، الذي تأسس من أجله “البام”، في سياق دولي، وتبييضه من خلال الحديث عن “جبهة ديمقراطية حداثية”. إن شروط نجاح مثل هذه المشاريع السلطوية والاستئصالية متوفرة مع الأسف الشديد، و يمكن إجمال أهمها في: أولا، توسع دائرة الردة عن اختيارات الشعوب في “الوطن العربي” التي أفرزها الحراك الشعبي في ظل الربيع الديمقراطي. ومن أهم تلك الاختيارات احترام أبجديات الديموقراطية في العملية السياسية والتي نجد على رأسها منهجية ضع الدساتير الانتخابات النزيهة واحترام نتائج صناديق الاقتراع. ثانيا، انتشار الاستهداف الرسمي الممنهج للإسلاميين في ظل تلك الردة، تحت يافطات متعددة ومتنوعة. ولا يتعلق الأمر بمجرد تفسير مؤشرات، بل بحقائق تشهد عليها الأوضاع السياتسية في عدة دول ويتم التعبير عنها بشكل صريح وواضح. ثالثا، حالة السخاء غير المسبوق ل”البيترو دولار” الاستئصالي الخليجي والذي أبان عن نجاعته في الردة السياسية عن ثورة 25 يناير في مصر. رابعا، شبكة إعلام السلطوية المعبأ لترويج مثل تلك المشاريع الاستئصالية والتطبيع معها على كل المستويات والذي أبان عن استعداد منقطع النظير للانخراط في مثل تلك المشاريع و وضع قدراته رهن إشارة التوجهات الاستئصالية والانقلابية. خامسا، وجود نزعة انتقامية واسعة من الإسلاميين في صفوف العلمانيين واستعدادهم للانخراط في أي جبهة تستهدف الخصم الإسلامي تجسيدا للقيم المكيافيلية. سادسا، توجس الغرب من صعود الإسلاميين واستعداده للتضحية بالقيم الإنسانية والديمقراطية لحماية مصالحه، واستعداده لدعم المشاريع المتخفية وراء شعارات الحداثة والديموقراطية و لو على حساب تلك القيم ب”أكل الثوم بفم تلك المشاريع”. هذه الشروط و غيرها قد تعمل لصالح مشروع “البام” بعد أن فشل في إحداث مشروع مماثل داخل الوطن بعد أن انهارت جبهة “ج8” الملتبسة على صخرة الحراك الشعبي ونتائجه السياسية، وأبان عن عجز فضيع على مستوى المعارضة المؤسساتية، و عجز أفضع على مستوى المجتمع. قد يجمع “البام” أسماء كائنات سياسية يتقاسم معها أعطاب العجز المحلي عن المبادرة السياسية، وقد ينجح بالفعل في إخراج كائن ضخم تمثل فيه أغلب دول الوطن العربي، و قد ينجح هذا الكيان أيضا في الاجتماع و تدبيج البيانات والمشاريع، قد ينجح كل هذا وغيره، لكن الذي يتغافله “المخزن الحداثي”، كما وصف به أحد قيادي “البام” نفسه، هو أن هذا الكيان سوف لن يكون أكثر من رقم يضاف إلى عشرات الكيانات المشابهة في الوطن العربي، وتحت عناوين كثيرة و من أجل الدفاع عن قضايا قومية حساسة، فماذا فعلت لحد اليوم؟ أغرقت الساحة مند ميلادها بسيل من البيانات، وتحولت إلى دوائر لتنظيم الجولات السياحية لمناضليها لحضور فعاليات مؤتمرات وتظاهرات هنا وهناك. فهنيئا ل”المخزن الحداثي” بإبداعاته و “فزاعاته” المتوالية.
المصدر: حسن بويخف نشر في الرأي المغربية

