كما العادة، الفوضى العارمة بمعبر باب سبتة المحتلة ، فجأة تزداد الأمور سوءا حيث الجري في كل اتجاه، دون أن يعرف إلا القليل ما يحدث بالضبط على مشارف مكتب الآمر بالصرف. كومة من النيران المشتعلة تسير على قدميها، بل تجري في كل اتجاه ، هناك من يفر متحاشيا إياها، وهناك من يحاول اللحاق بتلك الكومة وتوقيفها. المئات يجرون إلى حيث الصراخ والعويل لمعرفة ما يحدث، وآخرون اعتقدوا أنها المناسبة السانحة للمرور والإفلات من التفتيش. لقد كانت تلك الكومة جسم أحد الأشخاص المشتعل بالنيران، بعد أن أوقفه جمركيون وأخذوا ما كان لديه من سلع، يقولون إنها بسيطة ولا ترقى لمستوى التهريب الذي يمر عبر هاته النقطة يوميا.
“بغاوا إبينوا الخدمة فيه والسلام” يقول أحد العابرين الذي يعرفه، ويعرف أن ما يخرجه الرجل مجرد بضع مواد غذائية محدودة الثمن، “كيخليوا الصحاح أماشيين إحكروا على الضعاف” يقول أحدهم مستنكرا ما حدث لزميله. كانت الساعة توشك على الواحدة من بعد الزوال، حينما خرج المعني على متن سيارته المتهالكة من سبتة المحتلة ، كان يمر بسلام عبر الحاجز الجمركي، حينما تحرك اتجاهه عنصران قيل إن أحدهما هو سائق للمدير والثاني مساعد الآمر بالصرف، قاما بتفتيش السيارة وحجز ما كان لديه من سلع بها، رغم توسلاته لهما ومحاولاته إقناعهما بكونها كل ما يملك، وغيرها من الجمل والعبارات التي تدمي القلب حسب رواية بعض الشهود الذين كانوا بعين المكان. لم ينتظر المعني كثيرا بمجرد ما علم أن سلعته لن تعود له، أطلق العنان للصراخ والاتهامات لكل من يوجد هناك، حاملا في يده قنينة بنزين سكب بعضا من محتواها على جسده وبعضا آخر على السيارة، ليشعل فتيل نيران بدأت تلتهم جسده وهيكلة سيارته، قبل أن ينتبه أي أحد لما يحدث. لتكون المفاجأة عظيمة وهم يرون كومة النار تجري، بعد أن اشتد به الألم ليخرج من السيارة الملتهبة ويبدأ في الجري في كل اتجاه وهو يصرخ. مشهد فظيع ذلك الذي عاشه المعبر ذلك الزوال، وإن كان جل ما يجري به يوميا فظيعا وكارثيا، لكن أن تشاهد شخصا مشتعلا يجري في كل اتجاه فقد كان الأمر خطيرا ومحزنا. تحرك بعض العابرين حاملين في أيديهم بطانيات وآخرين يحملون مياها، يجرون خلف الجسد المشتعل لإخماد النيران، فيما آخرون انكبوا على إخماد نار السيارة التي كادت تنفجر بعد أن اقتربت النيران من محركها، خاصة وأنها تشتغل بالبنزين. لحظات عصيبة كانت تلك التي عرفها المعبر ومن يمر عبره ومن يشتغل به، قبل أن تتم السيطرة على النيران سواء المشتعلة بجسد الرجل أو بهيكل السيارة. حيث تم استدعاء الإسعاف ونقل المصاب على وجه السرعة من مستشفى إلى مستشفى بالمنطقة، دون أن يكون له علاج استعجالي، حيث يرجح أن يكون قد نقل إلى مكناس أو الرباط ، لتلقي العلاجات في حال قاوم جسمه النحيل الحريق، وبقيت الروح فيه، حسب ما أكدته بعض المصادر الطبية، إذ أن نسبة الحريق كبيرة وتتطلب نقلا مستعجلا إلى مستشفى متخصص إما بالرباط أو مكناس . نقطة أخرى تنضاف للكأس الفائضة أصلا بمعبر باب سبتة المحتلة ، مشكلة أخرى تنضاف لهذا المعبر الحابل بالمشاكل والمصائب، كما يقول كل من يعيش به من عابرين ومن عاملين به، معبر العذاب وفق البعض وممر الشمتة بالنسبة لآخرين، لكنه أيضا نقطة اغتناء بالنسة للكثيرين من هذا الطرف ومن ذاك، ممن يحسنون تصيد الفرص واستغلال المواقف. مصطفى العباسي
المصدر: أنس بن الضيف نشر في الأحداث المغربية

