تكاثرت في الآونة الأخيرة المهرجانات التي تنظم في المغرب حيث توشك أن تكون مهرجانا لكل مدينة وقرية، أغلبها مدعوم بطريق رسمية وغير رسمية، كيف تقرأ هذا التكاثر؟
❍ نعم، المهرجانات الثقافية بصفة عامة يمكن اعتبارها من التقاليد الإيجابية في المجتمعات المتطورة والحديثة عامة. وفي حالة المغرب وفي وقت معين عندما كان ادريس البصري مهيمنا في وزارة الداخلية عمل على إلغاء ظاهرة المواسم الشعبية وترك فقط بعض المواسم التي يرى أنها يمكن أن تستوعب بعض الخصوصيات التي كانت الدولة عامة ترمي إلى تحقيقها. والآن ظاهرة المهرجانات بدأت تتقوى بفعل التنافس بين المجالس البلدية في مختلف المناطق التي تحاول أن تخلق لها أنشطة أو مهرجانات تعرف بها، أو تولّد المواسم القديمة وتحاول أن ترهّنها. وفي تقديري هذه الظاهرة عامة قد تكون إيجابية بالنسبة لبعض الأسر والعائلات بالنظر إلى أننا في المغرب لا نجد الفضاءات الكافية للاستراحة أو التنزه. فيمكن لهذه الهرجانات أن تنفتح على الإنسان المغربي بصفة إيجابية. لكن هذا الجانب الإيجابي الذي يمكن أن نجده فيها للأسف لا نجده يطغى إلا باستثناء مهرجانات قليلة جدا والتي صارت عنوانا على الاهتمام بالجانب الثقافي أو العمل الفني. وهذه التي صار لها هذا البعد يمكن اعتبارها قليلة جدا، بينما السائد في هذه المهرجانات أنها لا تمتلك رؤية قائمة على أساس ثقافي أو فني حقيقي. لذلك نجد بعض هذه المهرجانات هي فقط لاستيعاب أو فتح منافذ لميزانية من الميزانيات، وبعضها الآخر يمكن أن يكون فقط لإعطاء صورة عن منظمي هذه المهرجانات، وهذا الجانب السلبي يفرغ المهرجانات من بعدها الحقيقي بخصوص هذا الهدف الذي هو تقديم صورة عامة عن الجهة المنظمة أو المغرب كبلد منفتح ومتعدد الثقافات، هل هذه بالفعل هي الصورة التي تصل أم يصل العكس كما يتداول عادة حول أن المغرب بلد للطرب والرقص خاصة في ظل ما قلت من غياب رؤية ومضمون ثقافي حقيقي في هذه المهرجانات؟ ❍ هذا المشكل يكمن في الطريقة التي تنظم بها المهرجانات، كما قلت. فالمشكل يقع عندما تكون هذه المهرجانات لا تتشكل بناء على رؤية دقيقة وتحليل لما ينبغي أن يكون عليه العمل الثقافي أو الفني. لذلك مثلا فالتنظيم يعزى إلى أي شخص قد لا تكون له معرفة حقيقية بالمتطلب الثقافي أو بالاسترايجية الثقافية المراد تحقيقها في هذه المنطقة أو تلك. وهذا الغياب هو الذي يجعل ظاهرة المهرجانات ظاهرة عابرة أي أنها فقط ولدت لتملأ لحظة زمنية معينة ثم تختفي. وعندما نعود في السنة القادمة نجد المهرجان يعاد بالصيغة نفسها والأخطاء نفسها، الشيء الذي لايجعل من المهرجانات ظاهرة مستمرة متواصلة. فكل مهرجان ينبغي أن يكون له مضمون معين ورؤية خاصة وآليات في التنظيم يستفاد منها في الوقت اللاحق. ولذلك فتنظيم المهرجانات لا يكون الآن إلا بغيات سطحية أو عابرة. قد تكون هناك مردودية على مستوى الاقتصادي أو الرواج لكن البعد الفني والثقافي، لا يتحقق كالارتقاء بالعطاء الثقافي الجهوي أو المحلي أو الوطني إلى مستوى أحسن. أيضا يمكن أن نسجل بهذا الخصوص أنه ما إن ينتهي الموسم حتى ينتهي المهرجان، فلا نجد لها ذاكرة أو أرشفة في حالة ما اذا كان هناك ندوات أو لقاءات مسرحية لتشكل جزءا من ذاكرة المدينة ، أو البحث على الخصوصية في المناطق والعمل على تطويرها، بل بمجرد انتهاء المهرجان يطوى ويختم وكأن شيئا لم يقع إلى العام القادم دون أن يكون هناك أي تحول. مع هذا لا يمكن أن يكون للمهرجانات فائدة حقيقية يمكن أن تتحقق من خلالها إذا التفتنا الى بعض الأجناس الثقافية والإبداعية الأخرى نرى أنها تغيب في مثل هذه الفعاليات الكبرى كالشعر مثلا والقصة والمسرح وغيرها مما يسمى عادة بالثقافة العالمة.. كيف ترى الأمر؟ ❍ في الحقيقة هذه الثقافة العالمة بين قوسين، غيابها أو تغييبها هو جزء من الصورة التي تأخذها هذه المهرجانات. فهي يمكن أن تسعى إلى الانفتاح على الجمهور ولا عيب في ذلك، ولكن عندما يكون هناك مهرجان في وجدة أو الجديدة مثلا ويكون فيها موائد مستديرة أو مداخلات ودراسات عن المدينة والمنطقة ويشارك فيها علماء في التاريخ والجغرافيا والاجتماع، فإن ذلك يعطي للمهرجان وجها آخر حتى وإن كان الموضوع الأصل هو حول ظاهرة من ظواهر الثقافة الشعبية. لذلك حتى إن كان المهرجان فنيا فعندما تصاحبه ندوات وعرض أفلام و وثائق فإن الجمهور الواسع سيحتفل كذلك بهذا المهرجانات التي ستكون آنذاك ذات بعد ثقافي حقيقي. ويبدو لي أن هناك عدم الاستفادة من الأخطاء لذلك فهذه المهرجانات وإن تعدد ت صورتها وملامحها في المناطق المختلفة فهي في الحقيقة ليست إلا مهرجانا واحدا، والسبب في ذلك يرجع لغياب ذاكرة لهذه المهرجانات. وثانيا لغياب التنسيق بين منظمي هذه المهرجانات في المناطق للاستفادة من تجاربهم. وعند ذلك يمكن لهذه المهرجانات أن تشكل رافدا من روافد تطوير الثقافة والفن ببلادنا. أما الاهتمام بأجناس أخرى في هذه المهرجانات فلا بد من وجود جمعيات ثقافية حقيقة من هذا المستوى، وعندما لا تتوفر مثل هذه الجمعيات فلا يمكن إلا أن تكون في مستوى الموجود حاليا.
المصدر: التجديد نشر في التجديد

