في التراث المغربي القديم ذو الإرث الإستعماري وفي التمثل العام خاصة في البوادي والقرى وبعض المدن المهمشة، يعتبر القايد ذلك البعبع الذي يثير حفيظة الساكنة وخوفهم خصوصا أنه الممثل الأعلى للسلطة بالنسبة للإنسان العامي فبه ترضى عنك السلطة وبه تسخط.
أتذكر تلك النكتة التي تتحدث عن احتفال صاخب في إحدى الأعراس في أحد القرى، حيث صدح صوت هذا الاحتفال في جميع أرجاء القبيلة حتى وصل إلى القايد، استدعى القايد شيخ القبيلة وقال له قل لأهل العشيرة “وقالكم القايد هداو”، فأمر الشيخ المقدم، ثم أمر المقدم بدوره أتباعه من الموظفين. ذهب أتباع المقدم فقالوا لأهل العرس “قالكم القايد هداو”، فلم يستطيعوا مقاومة صخب العرس فدخلوا في أجواء الاحتفال بالرقص والغناء على نغمات الفلكلور المغربي الأصيل، انتظر المقدم تابعيه فلم يأتوا له بالخبر اليقين واستمر ضجيج الحفل، ذهب المقدم ليستفسر فإذا به يتكرر معه نفس الأمر يدخل في أجواء الحفل الصاخب بعد ذكره كلمة السر “وقالكم القايد هداو”، انتظر الشيخ فتكرر معه نفس الأمر .. ظل القايد ينتظر شيخ القبيلة على أمل أنه قد هدأ من روع صخب “عرس القبيلة” أو أسكت ذلك الصوت المزعج في ليلة سوداء حالكة، إلا أن أيا من ذلك لم يحدث، قرر القايد أن يذهب بنفسه إلى شعب “أهل العرس”، فردد نفس الحبكة “وقالكم القايد هداو”، فلم يفتأ أن يتمالك نفسه حتى دخل في المعمعة والهرج والمرج .. قايد القبيلة يا جماعة ذلك الرمز المهيب والمخيف أصبح يغني ويرقص في عرس فلكلوري صاخب .. هي قصة يحكيها لنا آباءنا من هذا التراث الغني، لكن حينما نتأمل في سكنات هذه القصة فإننا نتشف درسا مهما وحقيقيا وهو أن الأوامر التي قد تنفذها سلطة معينة لا يمكن إلا أن تأتي من رأس سلطتها، لأن هناك عنصر أساسي هو عنصر الولاء الذي بني عليه نظام “المخزن” منذ الاستعمار، وهنا نعود إلى ما يحيكه الواقع هذه الأيام حول حدوث خطإ في العفو الملكي الذي لم يكن لصاحب الجلالة خبر في ذلك، فلم يتردد عاهل البلاد إلا أن يتدخل بنفسه، ويصدر ثلاث بلاغات للديوان الملكي، ويأمر بعزل حفيظ بنهاشم المندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج في المغرب. ومن هنا ثار التساؤل ماذا يمثل حفيظ بنهاشم في هذه القصة التي ذكرنا، هل هو تابع أم مقدم أم شيخ أم قايد، وربما قد تكون حسب البعض إقالة بنهاشم هو أسهل قرار يتخذ في نازلة كهذه، طالما أنه تابع يذعن إلى مواليه الذين أنعموا عليه وقربوه في هذا المنصب الحساس. وقد يستغرب البعض كيف لرجل مثل حفيظ بنهاشم يتم رفع عدة شكايات ضده في عدد من الانتهاكات التي حدثت داخل السجون المغربية ويتم الصمت عنه، ثم فجأة يضحى به ببساطة شديدة في نازلة كهذه. ينبغي التساؤل أيضا حول اليد الطويلة التي قامت بالعفو عن هذا العدد الكبير من المواطنين الإسبانيين ال48 استنادا إلا رواية الجريدة الإسبانية “ألباييس”، هذه الرواية التي إن كانت صحيحة فإن تستصرخ بضرورة إصلاح المؤسسة الملكية وطبيعة القرارات المتخذة في شقها الإداري والحكاماتي. ولعل تصريح الفقيه المقاصدي أحمد الريسوني قبل أيام من خلال بيانه المنشور على موقعه الشخصي الذي اعتبر من خلاله أن نازلة العفو عن المجرم “دانييل” لا تدل فقط على وقوع خطأ شنيع في هذه القضية خاصة، ولا على وجود خلل في المسطرة والطريقة المتبعة لاستصدار العفو الملكي عامة، بل تدل على خلل أكبر بكثير وأوسع بكثير، خلل يخيم على مسطرة اشتغال المؤسسة الملكية برمتها”. إننا اليوم لنا الحق في أن نتساءل قبل أي وقت كان بعيدا عن نقاشات قرار العفو وشروطه، – نتساءل – كيف يتم صياغة القرارات في هذا البلد الحبيب طالما بدا في واقعة العفو عن المجرم دانييل خطأ فظيع كهذا خصوصا وأن الحكم في بلد كالمغرب على مغتصب 11 طفلا يظهر الفساد المستشري في قضاءنا المغربي الحكم عليه ب 30 سنة فقط، فما بال القرارات السابقة. الدستور المغربي نأى عن التقديس، وأمر بالاحترام وفي ظل هذا الاحترام فالمؤسسة الملكية مطالبة في الوقت الحالي قبل أي وقت كان أن تكون أكثر شفافية للرأي العام والمهتمين والمواطنين بصفة عامة حتى يطمإن المغاربة على أبناءهم ووطنهم وأرضهم.
المصدر: يوسف الفاسي نشر في الرأي المغربية

