Close Menu
أرشيف الأخبار
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام
    أرشيف الأخبار
    الاتصال بنا
    أرشيف الأخبار
    الرئيسية » في رثاء الأم الصابرة…

    في رثاء الأم الصابرة…

    بواسطة دابا ماروك27 يوليو، 20136 دقائق
    فيسبوك تويتر بينتيريست لينكدإن Tumblr البريد الإلكتروني
    شاركها
    فيسبوك تويتر لينكدإن بينتيريست البريد الإلكتروني

    لم يكن بمقدوري فتح الباب الذي سد في وجهي رغم دفعي إياه بكل ما أوتيت من قوة، الباب الذي يمكنني من الدخول إلى رحاب الدنيا التي ألفت منذ أكثر من خمسين عاما تنفس عبير الحياة في فيحائها. باب عال عتيد من حديد يوصد الآن في وجهي. يطل حارس من فتحة مربعة صغيرة ينظر إلي بغير شفقة. عد إلى حال سبيلك: «لقد ماتت أمك».

    كأنما جبل الأهوال التي لا ملامح لها يحجب عني رؤيتها راقدة على غيم يمضي بها دونما اكتراث بصراخي من أجل أن يتوقف. صعدت إلى السماء وارتطم وجهي مع أديم الأرض منكسر الروح والخاطر سأبدأ منذ الآن شوطا طويلا من العراك مع صلابة وخشونة وقساوة ولسعات الأحزان التي تخز الجنب والصدر والقلب والأحشاء. علي أن أبدأ حياة نفسية مجهولة المداخل والمخارج. ملفوفا في ثوب الألم الذي يعصر قلبي، تقدمت نحو جسد أمي المسجى فوق سرير غرفة الإنعاش. وأنا ألثم جبينها البارد أنظر إلى عينيها المغمضتين وفمها الذي ما عاد ينبس؛ إضراب أبدي عن الكلام، صمت رهيب، لا بسمة، لا نظرة، لا التفاتة، لا حراك، لا أمر ولا نهي، لا صد ولا حنو، والتفت الساق بالساق النحيفتين. لا حركة في كل الأعضاء سوى اهتزاز شعرات من رأسها أخذت لون الاحمرار مع تعاقب الأيام والسنين، تدروها ريح خفيفة تتسلل من نافذة غرفة الإنعاش، ألثم الجبين البارد وأمرر خدي على كل ما في جسد أمي لا يتحرك، أضم صدرها إلى صدري، بلل خدها دمعي وأسلمت خدي مع رأسي لصدرها الذي لم يعد يجود بخفقة حانية ويدها التي أقبلها بكل قوة ذبلت عروقها ولم تعد تسري بين أصابعها حرارة الشد، أصابع باردة ملتصقة ببعضها ممزوج لونها بالزرقة والسواد والبقع البنية وبياض غزاه الاصفرار. هو الموت في لحظة يعبث بكل ما كان حيا في الجسد ويحوله إلى آلة صماء ونحن نموت لحظتها كما يريد دون أن يستشيرنا في أي أمر لكي نهيء أنفسنا لاستقباله… ماتت الأم وألم الفراق يبدو لي تحت أعين الموت كخيل الغيم متشفيا يقهقه، بينما جرح العناق، بعد فوات الآوان يبدو كعصافير الشفق وهي تستعير المناديل الحمراء من الشمس لتحتشم ومن يدها ينفلت الآن طير الورق ليرمي كل الصبايا والفتيان بحجر من ودق يجثمون في الحي جميعا يبتلون وينوون جميعا تبديل الخرق. أرى الآن شيئا كالحيرة في عيون الجميع صغارا وكبارا مقلقا، وأمي تصنع من أهداب العيون الحزينة الباكية ضفائر للصبايا وطلعتها الحنون الشمسية هي التي كانت لنا ميعادا لأحلامنا الجميلة الوردية وألواحا مسحورة بالنقش المزركش. يا أيها الجسد الطاهر الراقد..يا أيها الصدر الذي أعياه الخفقان الشديد قبل لحظات فرمى بنفسه أخيرا في لج السكون الرهيب ليتك تخفق الآن ولو مرة واحدة فأنا أريد أن أقول لك كلمتي الأخيرة. يا قلب أمي العزيز، لك كل دمي فأنا أريد أن أكلمك الآن، وأقول لك ما لم أقله منذ سنين فأنا لا أحتمل هذه السكتة المرعبة. يا مالكة سري لماذا تعلنين برحيلك المفاجئ هذا انطفاء نور العين وتمضين، ما لك تأمرين بهذا الصمت الرهيب انفجار عيون الدمع، إلى أين يا مالكة السر في تسافرين، يخطفك الموت الخائن البغيض ويرمي بي الآن دون رحمة في أتون الأحزان القاتلة، آما علمت سفري فيك على مراكب الشوق الدائم إليك في كل وديان دماء عروقك، ستبكي العين ليلا طويلا وسينتفخ الصدر صبحا، ويتورم القلب توقا إليك. والدتي العزيزة لو تتحركين الآن، لو ترفرف فراشتا عينيك، لو تفيقين تجدين عصير الشوق بلل خدي، تجدين شفتي السفلى ترتعد وتقطر بأزرق، تهفو لضوء عينيك سحنة وجهي المتلفة، ورأسي تدور بي في الدوائر. حائرا لا تقبض يدي على شيء يحفظ تماسك الجسد والنفس المهزومة. بين دمع العين وتورم القلب تمتد الآن بيني وبينك مسافات الرحيل يحددها الموت السارق المارق الخائن المغيب… ذلك الضوء الأبيض الخفيف الجميل الذي كنت تملئين به الزوايا أضحى الآن يعصر في أحشائي زرقة ممزوجة بثقل أسود. سأنتظر يا سارق الروح الخائن صباحات ولن أنسى… وسأعلق فرح العودة على حائط الذكرى ولن أنسى… وسأقول للعين افتحي صدرك لضوئها ستأتي يوما تحمل في يدها بشرى البعث الجميل العظيم، ستعود ستعود… وستطفحين أيتها العين بنور وهاج جديد يفيض وسيرقص الفتية وتغني الصبايا وينثر الجميع أزهار العودة العظمى. يا أيها الموت السارق الخائن، سأنتظر مساءات وسأعلق آمال الانبعاث المرمم للذات التي حطمتها الآن، سأعلقها على مرايا الحب والوفاء الأبدي لذكراها، وسأقول للقلب مد ذراعيك لا تشك فإنها ستقبل يوما وتدفع بصدرها عنك أشواق وأحزان الأيام والسنين، ستقبل ستقبل… في حجرة التوديع وأنا وأمي وحيدين أناجي روحها من خلف حجاب ملاءة بيضاء تغطي الآن جفنين يختزلان بكل نظرة وصمت العاتب على الدهر. الدهر في وطني وما فعله بأمهاتنا الصابرات الصامدات الطاهرات، أمهاتنا اللائي لم يستطع أن يلوي أعناقهن بكل قساوته وضراوته وجبروته فلقد عشن شامخات واقفات كالنخلات الباسقات لم ينل منهن زمن القهر والإذلال، قطوفهن الدانيات هي ما أنجبن من صغار حولنهم إلى كبار رجال ونساء، شققن لهم طريق الحياة الكريمة رغم أنف الزمن الحقود العنيد، معلمين وأساتذة أصبحوا وكتاب وصحفيين وأطباء ومهندسين ومحاسبين وقضاة ومحامين وعلماء دين أجلاء وعاملين في المعامل والمصانع والحقول. أمهاتنا مدارس درسن أبناءهن بلا شيء وصنعن منهم ما لم تستطع المعاهد العليا المتقدمة الآن فعله. أمهاتنا جامعات لكل صنوف الصبر والإصرار والتضحية ونكران الذات من أجل الحياة الكريمة لأجيال من البنات والأبناء درستهم بقليل من الدفاتر والألواح والأقلام والخبز والسكر. يا أيها الجيل الذي أخشى أن ينسى، اذرف معي دمع الوفاء على الأمهات الصامدات القاهرات بصبرهن لكل ما يباغتهن به الزمن الغادر إلا الموت الخائن الجبان هو الذي يقدر على خطفهن… فيا أمي القابضة على تلابيب كفني، وأنت الآن محمولة إلى مثواك الأخير، أعرف إنك تخيطين لي الآن به معطفا يحميني من برد الدنيا القارس الذي تركتني فيه وحيدا رغم كل هذا الموكب المهيب الذي يسير لتوديعك. فيا والدتي التي دبرت أمر عيشنا جميعا، ذكورا وإناثا بمائة درهم في الشهر كأجرة معاش ونحن صغارا، كنت تتوصلين بها من أكبر شركة، حفر والدي أولى مناجمها فمات ولم يترك لك إلا يتامى بغير معين.. لك كل التحية والتعظيم. يا والدتي أستحضر الآن زمن العقود السبعة تلك التي لم أرك فيها إلا محاربة بغير سلاح ودون أن يوفر لك المسؤولون أي شيء من الغذاء ومستلزمات التعليم والصحة لصغارك. فأنا الآن أتحدى أي رجل اقتصاد يفسر لي سر حسن تدبيرك حتى تتعلم البنات ويتعلم الأبناء ويكبرون؛ بينما عاش هؤلاء المسؤولون في رغد من العيش لا مبالين، وظللت مع الأيام والسنين ترددين فلنحمد الله على كل حال فهذا ما أراده لنا خالقنا ورازقنا نحن الفقراء. الزمن الآن يا أمي لم ينصفك وها قد رحلت، ولم تتوصلي بما وعدتك به الحكومة كأمثالك من رفع المعاش إلى ألف درهم، ولا يهم فلقد تعودت بينما هم لا يقدرون، وليحتفظوا بالزيادة التي وعدوا بها لأنفسهم فهي لهم منك هبة هم الأغنياء الفقراء في فنادقهم الفاخرة ومساكنهم العجيبة وموائدهم الفخمة. لم يترك لك والدك حين مات إلا إخوة صغارا يتامى أنت التي سهرت على تربيتهم، ولم يترك لك زوجك حين مات إلا يتامى سهرت على تكوينهم وتربيتهم ولكنك تركت لأبنائك بعد رحيلك الآن كل هذه الثروة الغامرة، ثروة هي الوعي بأن الزمان في وطننا ما زال لا ينصف إلا الأغنياء، ولكنه مع ذلك ورغم أنفه يذعن أخيرا للقادرين الصابرين. وإذا كان المرض قاهر بألمه فالموت جبان بخيانته ومباغتته. رحمك الله والدتي. ورحم كل من قضى نحبه وقد كان صابرا صامدا مكافحا مقاوما مؤمنا.

    المصدر: عبد الكبير مولوع نشر في الأحداث المغربية

    شارك هذا الموضوع:

    • شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
    • المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
    • المشاركة على WhatsApp (فتح في نافذة جديدة) WhatsApp
    • اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
    • المشاركة على LinkedIn (فتح في نافذة جديدة) LinkedIn
    • إرسال رابط بالبريد الإلكتروني إلى صديق (فتح في نافذة جديدة) البريد الإلكتروني

    مقالات ذات صلة

    أخبار
    شاركها. فيسبوك تويتر بينتيريست لينكدإن Tumblr البريد الإلكتروني
    دابا ماروك
    • موقع الويب

    المقالات ذات الصلة

    قانون المالية 2026.. الحكومة تقبل 72 تعديلا بمجلس المستشارين

    4 ديسمبر، 2025

    هذا موعد الافتتاح الرسمي لحديقة عين السبع بالدار البيضاء

    4 ديسمبر، 2025

    خط جوي جديد ومباشر يربط الدار البيضاء بلوس أنجلوس

    4 ديسمبر، 2025
    اترك تعليقاً إلغاء الرد

    محكمة فرنسية تؤكد إحالة أشرف حكيمي على المحاكمة بتهمة الاعتداء الجنسي

    23 سبتمبر، 2026

    مولاي حفيظ العلمي يُتوج بالدكتوراه الفخرية من جامعة شيربروك: إنجاز يرفع الراية المغربية

    23 سبتمبر، 2026

    وزير الخارجية السنغالي ي reaffirm أن «الصحراء جزء لا يتجزأ من المغرب»

    23 سبتمبر، 2026

    إقبال كبير على مراكز الاقتراع في الانتخابات التشريعية بمدينة أكادير

    23 سبتمبر، 2026

    بوريطة يعلن عن ترشح المغرب لمقعد عضو غير دائم بمجلس الأمن للفترة 2028-2029

    23 سبتمبر، 2026

    إيقاف مراهق بمراكش بعد تهديد حياة المواطنين بسبب القيادة المتهورة

    23 سبتمبر، 2026

    انطلاق التصويت في الانتخابات التشريعية بالمغرب.. ومعدل المشاركة يصل إلى 4.23% في العاشرة صباحاً

    23 سبتمبر، 2026

    هل فعلاً انقطع الأنسولين بالمستشفيات العمومية بالمغرب؟

    23 سبتمبر، 2026

    مباشر: كن على اطلاع بأحدث الأخبار حول الانتخابات التشريعية 2026 بالمغرب

    23 سبتمبر، 2026

    النيابة العامة في الجديدة توضح حقيقة حادثة السير وعلاقتها بالمنافسات الانتخابية

    23 سبتمبر، 2026

    أهم التدخلات لإصلاح شبكات الماء والكهرباء استعداداً للشتاء بإقليم شفشاون

    23 سبتمبر، 2026

    محاكمة سعد لمجرد الاستئنافية في فرنسا مستمرة.. جلسات كريتاي تمتد حتى 25 شتنبر

    23 سبتمبر، 2026

    كيف أصبحت الجزائر بوابة رئيسية للهجرة السرية إلى أوروبا؟

    23 سبتمبر، 2026

    «لميس» تتولى رئاسة لجنة التحكيم في الدورة السادسة لمهرجان مراكش للفيلم القصير

    23 سبتمبر، 2026

    طقس الأربعاء في المغرب: ارتفاع في الحرارة مع ضباب وأمطار رعدية في هذه المناطق

    23 سبتمبر، 2026

    إيقاف “كراب” في آسفي ضبط بحوزته طن من مسكر “الماحيا”

    23 سبتمبر، 2026

    تراجع هوامش الربح يُدخل وكالات كراء السيارات في مهب الريح: هل القروض طريق الإفلاس؟

    23 سبتمبر، 2026

    انتخابات 2026: النيابة العامة تعالج 92% من الشكايات وتتصدى للاستغلال الدعائي في دور العبادة

    23 سبتمبر، 2026

    من مراكش.. كريسي تيغن تحتفل بعيد زواجها الثالث عشر مع جون ليجند بشكل مميز وجديد

    23 سبتمبر، 2026

    محور الكركرات-نواكشوط: الأبعاد الاستراتيجية والدبلوماسية للاتفاق الطرقي المغربي-الموريتاني الحديث

    23 سبتمبر، 2026
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام بينتيريست
    © 2026 داباماروك .

    اكتب كلمة البحث ثم اضغط على زر Enter