تحكي هذه الزاوية أحداثا وتجارب من يوميات المؤرخ المغربي عبد الهادي التازي الذي تقلد عدة مناصب علمية وسياسية وديبلوماسية في المغرب وخارجه.. وقفات من أيام الكُتّاب الذي أتم فيه حفظ القرآن وهو ابن 11سنة، إلى القرويين التي حصل منها على العالمية، ليخرج بجلبابه التقليدي إلى فضاء المعرفة المشرعة الأبواب باحثا ومؤلفا ومترجما عن لغات أخرى.. من التاريخ الذي عايش فيه عهد الحماية وأسهم منذ صغره في الحركة الوطنية التي تعرض فيها للاعتقال والنفي، إلى الجغرافية التي أوغل في شعابها، وحلّق في أكثر من 1200 رحلة عبر العالم يختبر الأمكنة كما اختبر الأزمة…
عضو أكاديمية المملكة المغربية، وسفير للمغرب في ليبيا والعراق وإيران والإمارات.. يكتب في «تفسير سورة النور» وعن «تاريخ العلاقات الأمريكية المغربية»وعن «أعراس فاس» وفي»الطب النبوي بين المشرق والمغرب»ويحقق «رحلة بن بطوطة» في خمسة مجلدات.. ويسرد في قائمة مؤلفاته أكثر من 50 مؤلفا.. التجديد التقت التازي في بيته في جلسات مسائية، فرحب بقراء الجريدة وروى شيئا من يومياته في الزمان والمكان. قلتَ إن الختان يؤرخ لمرحلة حاسمة في حياة الطفل، متى كان الختان؟ ❍ الختان كان في حوالي 6 سنوات، والختان في ذلك الوقت كان يتم بطريقتين اثنتين: أن يقوم الأهل أنفسهم بعملية الختان، والثانية من أغرب الطرق وهي أن يأتي أجنبي عن العائلة ويسرق الولد ويقوم بختانه في غيبة الأسرة، ربما لأن الأسرة لا تستطيع ذلك عاطفيا وإما لأنها تتطير من أن تقوم بذلك لنفسها، فتقوم بالعملية أسرة أجنبية عوضا عنها ويضرب تكتم قوي على موعد الختان وهل عشت أنت هذه التجربة؟ ❍ عشتها بدقة تامة.. وأذكر أنهم كذبوا علي، وأخرجوني من المكتب بحجة أنني مدعو لحضور نزهة. وأنا كنت عبيطا فانطلت علي الحيلة، أما عمليا فكنت أحتاط كثيرا لهذا اليوم وأستعد لمقاومته، لأنني كنت أسمع أن الأطفال يُسرقون، وكنت آخذ الحيطة والحذر.. لكن لا أخفي عليك أنني كنت أساعدهم في تهيئة الحلوى دون أن أعرف. والذي حدث أنهم أتوا إلى الشيخ الحياني فقالوا أنني مدعو لنزهة خارج المدينة . وبالفعل رحت إلى بيت غريب عني وأخذت أرى الناس المحيطين بي يغيرون ثيابي، تساءلت مع نفسي لم يغيرونها بثياب المختون؟ ثم أخرجوني لأجد أمامي فرسا مطهما، ركبته وأعجبت بحالي لأصل ضريح المولى ادريس بعد أن انطلت علي الحيلة مرة أخرى إذ أقنعوني أن البساتين فيها الأفاعي والعقارب.. و إذا بي بداخل الضريح ينقض علي حجام أخذني أخذ عزيز مقتدر، وبسرعة وبشكل خاطف وجدت نفسي أمام معلم هذا الرجل السيد عنيبر، وأنا بالمناسبة لا أنسى الأسماء، الذي قال لي شوف الحمام في قبة مولاي ادريس، ثم وقع ما وقع. وأصبحت ملفوفا محمولا على كتف «زرزاي» حتى وجدت نفسي في بيت أمام حشد كبير من المدعويين الذين كان من بينهم والدي الذي لم يكن يعرف عن قضية الختان. من دبر العملية اذن؟ ❍ دبرها جيراننا «آل الوالي» ولم يكن أهلي يعرفون شيئا وبالأخص الوالد والوالدة، وكان والدي يحتاط هو الآخر حتى لا تمر علينا المؤامرة..وأنا أروي هذا لأنه ينبغي أن يعرف المغاربة كيف كان جمال تنفيذ العملية.. كانت هذه عادة عند بعض الأسر، أن يتطوع الجيران أو الأقارب دون سابق إخبار حتى يجد الوالد نفسه أمام الأمر الواقع ولا يسعه إلا أن يقبل. هذا يدل على قيمة الجوار آنذاك.. ماذا كان يعني الجار؟ ❍ طبعا، أشكرك على هذا السؤال، الجار كان يعني أمرا مقدسا.. لقبا حضاريا يأخذ منابعه من الدين الاسلامي، تعرف أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول «ما زال يُوصيني جبريلُ بالجارِ حتَّى ظننتُ أنَّه سيُوَرِّثُه» وفي تقاليد الإسلام أيضا أنه لا ينبغي أن تتناول طعاما تتسرب رائحته إلى جارك دون أن تشركه فيما تأكل، وهو يسمى عندنا الصاحب بالجنب. هذا ومن أجمل آداب الاسلام تلك التي تتعلق بالجوار، وكم كان بودي أن يتناول الدعاة ويتعمق الكتاب والفلاسفة في إبراز هذه الظاهرة من ظواهر الإسلام. فقضية الجار كانت قمة في العلاقة الأخوية بين الناس بعضهم ببعض، إذ كان الجار يربي وكان يحمي العائلة من الفساد ومن الفقر.. واذا حدث أن توفي أب الأسرة فإن الجيران يتولون تربية الطفل على ما كان يعتزم والده عليه حتى ينشأ ويكبر ويصبح قادرا على الحياة. وقضية الجار في العرف المغربي وتقاليده تعبر عن درجة من الحضارة في منتهى السمو والعلو. وأنت أثرت هذا ونحن نتحدث عن أن الجيران قاموا باختطافي لأجل أن يجنبوا والدي الشعور بالألم و أن يساعدوه كذلك من الناحية المادية.
المصدر: التجديد نشر في التجديد

