كنت وما أزال، أشعر بروح المغربي المتباهي بشباب وطنه، وهي روح تدب في عروقي دماء ساخنة، وأنا أتابع عروضا في التحليل الكروي.. المقدمة من سعيد شيبا، أو الحسين عموتة، أو محمد سهيل.. على قنوات الجزيرة الرياضية، رغم أنني لا أقبل منهم السكوت عن إملاءات وإيحاءات المنشطين المنحازين لريال مدريد وباري سان جيرمان.. ورغم أنني كذلك من أشد الخصوم لتلك المحطة. وما من شك أن عددا كبيرا من المغاربة يشاطرونني أحاسيسي الجارفة هذه.. التي لا علاقة لها بالمواطنة أو القرابة العرقية.. كما لا أستبعد أن جمال خلقهم، وسلامة سلوكهم، من أهم أسباب تشيّعي لهم..
لذلك فأنا أعتبر نفسي عاشقا من غير قيود، لأبناء بلدي ” الصغار ” الذين يصلحون ويرممون الصور المغربية النقية التي يعبث بها غيرهم من ” الكبار ” . من السفراء والوزراء، ومن الوجهاء الماسكين بالأمر والنهي والشرف والقرف .. ومن الأسماء الكروية الذين التحقوا بمذكرتي التي ترافقني منذ 55 سنة..اللاعب عثمان العساس.. الخريبكٌي.. لاعب فريق أم صلال القطري، بعد أن قرأت له استجوابا أجرته معه ” المساء الرياضي ” في السابيع . وقد اندهشت من قدرة عثمان العساس على نقل أفكاره للقراء بأسلوب سلس رقيق، يشق الطريق إلى نفس الآخر من غير تكلف ولا تظرّف، حين أدلى بجملة من الآراء بموضوعية واضحة، موظفا قدرته في فهم بعض ما يحيط بموضوع المنتخب الوطني المغربي لكرة القدم في الظروف الراهنة، من اعتبارات زمنية وتنظيمية، داهمت أسماء وحملت أسماء إلى المسؤوليات، من غير إطناب في المدح الأعمى، أو إمعان في القدح المجاني، وهذا النوع من الكلام ووجهات النظر، يجد غالبا صداه عند الجميع، ممن يفهمون الشأن الكروي فهما صحيحا، كما أنه يعطي للحوارات مبررات الوجود والحياة.. وازددت تقديرا لعثمان العساس، حين قال بشأن صموده أمام السنين العديدة، لاعبا محترفا بكامل الشرط : “.. على اللاعب أن يتبع برنامجا خاصا. سواء تعلق الأمر بالتداريب أو الأكل أو النوم المبكر.. كما لا أنكر فضل المدربين الكبار الذين لعبت تحت إشرافهم طيلة 12 سنة .. وأنا أحاول أن أتعلم كل يوم، وأحافظ على نفسي ولياقتي.. “ وكان اللاعب العالمي المغربي الكبير المرحوم العربي بنمبارك.. الذي لعب للمنتخب الفرنسي سنة 1954 وهو في السن الأربعين، صرح لصحافي متسائل وقتها عن كنه عمره الطويل في ممارسة الكرة على أعلى مستوى احترافي أروبي” .. أنا ألعب كما ألعب لأنني: آكل بانتقاء وانتظام، وأتدرب أكثر من غيري، وأنام كالأطفال قبل غيري، وأصحو قبل غيري لصلاة الفجر..“ وسجلت دفاتر تاريخ المغرب وتاريخ العالم الخاصة بلعبة كرة القدم، عددا غير كثير من اللاعبين الذين حملوا ثقل سنين الكرة إلى ما بعد الأربعين، من غير العربي بنمبارك، وأشهرهم ” السير ستانلي ماثيوس” لاعب ” بلاكبول” الأنجليزي، الذي حصل على الكرة الذهبية سنة 1959، وعمره 49 سنة.. وأشهر من عمّر كرويا في المغرب. وهيمن على أعلى مستوى المرحوم ” لحسن شيشا ” الذي لعب بالتتابع للياسام سنة 1944 رفقة العربي بنمبارك، ثم ” لمغرب طنجة و” أتليتيك تطوان ” ومعه صعدت إلى القسم الأول الإسباني سنة 1953، كما لعب بعد ذلك للفتح الرباطي والوداد البيضاوي وأنهى مشواره بحسنية أكادير ، وسوف أخصص له فصلا في كتابي القادم : 100 عام على كرة القدم المغربية ” لأنه فريد زمانه في حقل الكرة، ومن الغبن ألا تعلم عنه الأجيال المغربية خصوصيات وحيدة فريدة به في دنيا جمال لعبة كرة القدم .. ومن حقنا جميعا أن نبدي الاحترام لعثمان العساس لخصال كثيرة فيه، حبذا لو نسخها عنه اللاعبون المبتدئون، ومن تلك الخصال الاعتراف بفضل مدربيه عليه، وإصراره على أن يقاسمهم ما وصل إليه من مكانة في الكرة، وما حققه في بلده وخارج بلده من إنجازات في الكرة، مصحوبة باقتداء أحسن النماذج في الحياة وفي الرياضة.. وهذا دليل آخر على صدق المقولة المأثورة عن أحد المفكرين:.. ليس هناك ماء ليس له ينابيع.. كما أنه ليس هنالك واقع ليس له أركان. وإذا كان علي أن أنتهز فرصة الحديث عن العساس، وأعمل على إنصاف “الينابيع البشرية ” التي انحدر منها .. ممن يرى العساس أنهم يستحقون الإنصاف، فلن أتأخر في الإشادة بالمدرب مصطفى مديح الذي كان وراء ابتكار ألمبيك خريبكٌة الحديثة، وابتكار عثمان العساس معا.. ولو أن ألمبيك خريبكٌة الحديثة، أصبحت مريضة بداء ” الحيّاحة ” الذين يصرخون ولا يعملون.. وياليتهم ابتعدوا عن طريق الموظفين الفوفسفاطيين الذين يعملون ولا يصرخون.. أنا أكره الحياحة الذين يكسرون ولا يَجبرون.. فمرحبا بعثمان العساس سفيرنا القدير لدى إخواننا المشارقة.. وأميرنا العزيز.. اللين في القلب والعين.. في أكاديمية لاعبي الكرة المغاربة المثاليين، من أمثال بنمبارك والخميري وأقصبي وبلمحجوب والتازي والزغراري وجريندو.. وتجنبا للحاساسيات، فلن أتخلى عن إنصاف ما استطعت العشرات من اللاعبين، وعموم الرياضيين المتفردين بصفات طيبة، من أمثال عثمان العساس في مناسبات قادمة.. [email protected]
المصدر: لكم الرياضة نشر في لكم الرياضة

