همسات بئرى بقلم بشرى شاكر تمضي السنة طولا وعرضا وتمضي أيامها تباعا وتتوالى أشهرها وتبقى المرأة بكل ما تقدمه من تضحيات جسام وأعمال قيمة وأدوار مهمة طي النسيان إلا من بعض المبادرات الفردية حتى يأتي يوم ثامن مارس فتتعالى الأصوات مطالبة بحقوق هضمت وأدوار همشت ونساء ضحين ورحلن في صمت وأخريات ضحين وما زلن يفعلن، بعضهن ممن كتب لهن أن يولدن داخل عائلات مرموقة وينسبن لأنساب معروفة قد يحظين بتكريمات من هنا وهناك وأخريات قد يكن أكثر منهن عملا وكفاحا وطموحا أيضا، لا يلتفت لهن لأن غالبية من يكرم لا يبحث عن النهوض بدور المرأة بقدر ما يبحث عن اسم يكون واجهة لجمعيته أو منظمته، إذ نجد في الغالب نفس الوجوه التي تكرم ونفسها التي تشرف وتقدر وغيرها تكد وتكدح دون أن يلتفت لها أحد بل دون أن تلتفت لها نساء، هن أنفسهن يبحثن في خطبهن عن المساواة والحقوق، المصيبة أعظم إذن حينما تجور المرأة على المرأة… ثامن مارس، ذلك اليوم اليتيم في السنة الذي نتذكر فيه المرأة وحتى هذا اليوم يستكثره بعض الرجال على النساء حينما يتحدثن عن حقوقهن فمنهم من يتهكم على احتفال بسيط ومنهم من يجرب أن ينغص فرحة عابرة على قلب امرأة مسكينة وكأنها عوض أن تكون شريكة له أصبحت عدوة لدودة له… حينما عرف ثامن مارس أول مرة كان سنة 1857 حينها خرجت لأول مرة النساء في شوارع نيويورك احتجاجا على الظروف اللاإنسانية التي كن يعملن فيها واستطعن رغم العنف الذي تعرضن له أن يفرضن مشكلة المرأة العاملة لأول مرة في جداول الأعمال اليومية ثم خرجت آلاف العاملات في قطاع النسيج مرة أخرى يوم ثامن مارس 1908 للتظاهر في شوارع نيويورك حاملات قطع خبز وباقات ورود وطالبن بتخفيض ساعات العمل ووقف تشغيل الأطفال ومنح النساء حق الاقتراع ولم يبدأ الاحتفال بهذا اليوم إلا سنة 1977 بعد موافقة منظمة الأمم المتحدة على تبني هذا اليوم عيدا سنويا وبعض الدول فقط بدأت اعتباره يوم إجازة للنساء سنة2011 وهي كوبا وروسيا والصين وفلسطين. ليتحول هذا اليوم إلى مجرد أرقام تسرد في غالبية الأحيان وتوصيات تخرج من هذه الجمعية وتلك، توصيات تنسى غالبيتها حالما ينتهي هذا اليوم وتنطفئ شعلة حماسه، فالمرأة ما زالت تعاني بل وبشكل اخطر من صورتها النمطية في الإعلام وما زال ينظر لجسدها قبل عقلها وهذا للأسف ليس فقط في الإعلام ولكن حتى في الحياة الاجتماعية واليومية كذلك، فما زال ينظر للمرأة على أنها الكائن الأقل والناقص، ومازالت تبخس حقها في المعاملة العادلة وفقا لأفكارها وعملها وذكائها، ما زال على المرأة أن تصرخ أعلى وأعلى لتسمع صوتها في محفل ثقافي أو علمي في حين ينصت الكل للرجل حتى وإن كان اقل منها علما ودراية، ذلك الرجل الذي ينتظر بدوره ثامن مارس ليتشدق بالدفاع عن حقوقها أمام الملأ ليوصف بالتفتح ونصرة المرأة وخلف الستار يكون نفسه من ينظر لها تلك النظرة الدونية… في ثامن مارس أيضا نتذكر المرأة الفلسطينية وكفاحها مع الاحتلال وكأن الاحتلال ولى أدباره في باقي الأيام ليعود يوم ثامن مارس ! كيف ننسى ما تعانيه تلك الفلسطينية من مستعمر صهيوني غاشم، نساء يفقدن أبناءهن وأخريات يترملن ليناضلن من اجل لقمة عيش لأطفالهن.. هل يكفي يوم واحد لنتذكرهن؟ أرقام تعاود الظهور في يوم ثامن مارس في كل سنة فهذه السنة مثلا وردت إحصائيات حول ارتفاع العنف ضد المرأة ليصل في المغرب 82 في المائة وهي نسبة لا تعد ارتفاعا بقدر ما تعد واقعا كان من قبل والفرق الوحيد انه الآن أصبحت المرأة تتحدث عما يصيبها أكثر من السابق وربما يكون هذا مكسب فعلا وإن كان ضئيلا فما زالت المرأة هي الشخص الأكثر تضررا من العنف الجسدي والنفسي أيضا، سواء بسبب ارتفاع حالات الاغتصاب أو التحرش الجنسي وأيضا تعرضها أكثر للسرقات بالسلاح والعنف لبحث المعتدين على اضعف الأشخاص للسطو عليهم… وفي معرض حديثنا عن ثامن مارس، لا يسعنا ألا نذكر بعض الأمور الايجابية التي ربما قد تساهم في إضفاء فسحة أمل على حياتنا كنساء، أولها ما تحدثنا عنه سابقا من نمطية لصورة المرأة في الإعلام ولأول مرة اشعر بالغبطة وأنا اسمع خطاب وزير الاتصال السيد مصطفى الخلفي متحدثا عن ضرورة العمل على الحد من هذه الصورة السيئة التي تبخس المرأة حقها في الإعلام العربي وكان ذلك إبان المؤتمر الدولي الذي نظمه الاتحاد الوطني لنساء المغرب تحت الرئاسة الفعلية لصاحبة السمو الملكي الأميرة لالة مريم، الذي تشرفت بأن أكون من بين لجنته المنظمة، أمر آخر أثارني وأثار الحضور جميعهم هو حديثه عن الفتوى التي كانت تعتبر المرأة القروية شريكة في الكسب بالمناصفة مع الرجل لعملها خارج وداخل البيت، فهل جميعنا نعلم ديننا حق المعرفة؟؟؟ وأين مفتينا الآن مما يصيب المرأة من حيف عوض انشغال بعضهم بفتاوى تافهة تجعلنا مسخرة أمام العالم؟؟ ولا أنسى انه ولأول مرة وخلال هذا المؤتمر تم تنفيذ إحدى التوصيات مباشرة لكي تستطيع المرأة القروية أن تحصل على تمويل لمشاريعها من خلال توقيع اتفاقية بين الاتحاد الوطني لنساء المغرب وبريد بنك وبهذا يمكنها أن تلجأ أيضا للبنك عوض مؤسسات القروض الصغيرة التي تمنح قروضا ضيقة تبقي مشاريع النساء القرويات محدودة… أمال وإن كانت طفيفة ولكنها مفرحة جعلتني أنسى لوهلة الوعكة الصحية التي تعرضت لها خلال المؤتمر ولكن وإذا كانت المرأة في العالم عموما تعاني أكثر من الرجل في عملها ودراستها وحياتها عموما فإنها في العالم العربي تعاني أكثر بكثير من عقليات رجعية تعتبرها كائنا أقل شانا رغم انه من المفروض أن نكون أكثر امة تحترم المرأة، أفلم تكن من بين آخر وصايا رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام في خطبته الأخيرة؟ ألم يكرمها الله وجعل الجنة تحت أقدام الأمهات؟ ألم تكن أول شخص حصل على قرض تجاري في عهد عمر ابن الخطاب رضي الله عنه؟؟؟ أين نحن من ديننا الذي جاء رحمة للعالمين؟؟؟ اعتقد أننا نحتاج لثورة عقول أكثر، لكي لا نبقى مجرد أرقام تعود كل ثامن مارس من خلال إحصائيات تتلى وتمحى وكأن أصحابها يصابون بفقدان الذاكرة المناسباتية!
المصدر: ACHARQ ALANE نشر في الشرق المغربية

